وفي حجة ثالثة، ساق أمامه ألف شاة، وأراق دمها كلها في منى، وأطعم بلحومها فقراء المسلمين تقربًا إلى الله عز وجل, وهذا ليكن الإسلام، ولتكن التوبة إلى الله عز وجل.
ما هي النصيحة التي أرشد بها النبي حكيم, وهل استجاب لهذه النصيحة؟
بعد غزوة حنين سأل حكيم بن حزام رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغنائم فأعطاه، ثم سأله فأعطاه، حتى بلغ ما أخذه مئة بعير، وكان يومئذ حديث عهد بالإسلام، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: (( يا حكيم، إن هذه الأموال حلوة خضرة، فمن أخذها بسخاوة نفس -يعني بعفة نفس- بورك له فيها، ومن أخذها بإشراف نفس - بطمع- لم يبارك له فيها، وكان كالذي يأكل ولا يشبع ) ), عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَ: (( الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى, وَابْدَا بِمَنْ تَعُولُ, وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ عَنْ ظَهْرِ غِنًى, وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ, وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ ) )
[متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم في الصحيح عن حكيم بن حزام]
فلما سمع حكيم بن حزام ذلك من النبي عليه الصلاة والسلام, قال: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق لا أسأل أحدًا بعدك شيئًا.
النبي أعطاه ونصحه، ولكن كانت النصيحة مؤثِّرة جدًا، وعلامة إيمانه الصادق أنه استجاب، وبر حكيم بقسمه أصدق البر، ففي عهد أبي بكر رضي الله عنه، دعاه الصديق أكثر من مرة لأخذ عطاء من بيت مال المسلمين فأبى أن يأخذه، ولما آلت الخلافة إلى الفاروق دعاه مرة ثانية إلى أخذ عطاء فأبى أن يأخذه، فقام عمر في الناس وقال: (( أشهدكم يا معشر المسلمين، أني أدعو حكيمًا إلى أخذ عطائه فيأبى ) ), وظل حكيم كذلك لم يأخذ من أحد شيئًا حتى فارق الحياة.