فهرس الكتاب
النبي عليه الصلاة والسلام لمَّا كان في الطَّائف, من منّا يمشي ثمانين كيلومترًا على قدميه؟ مِن هنا إلى النَّبَك، والطريق وعْرٌ صعبٌ، وما تمكنوا حديثًا أنْ يشقُّوه بالجبال إلا بالآلات الضخمة، والمهندسون الكبار عجزوا عن شقِّ هذه الطرق، إلاّ بعد أنْ قام أصحاب الخبرة في شقِّ الطرق، وفكَّكُوا الآلات قطعة قطعة حتى استطاعوا أن يشقُّوا الجبال، فكيف صعد النبي عليه الصلاة والسلام إلى الطَّائف؟ هل صعد للتَّنَزُّه؟ صعد لِيَلْقى المُعارضة والتكذيب والسُّخْرِيَة والضَّرْب, هكذا كان النبي عليه الصلاة والسلام، أما الآن إذا وضعوا إنْسانًا بِمَكانٍ غير لائق، وما احْتَرموه يغْضب قائِلًا: أنا مقامي ليس هنا!! ماذا قدَّمْتَ للمُسْلمين والإسلام حتى تغْضب؟ فأنت تريدُ مَيِّزاتٍ فقط، ولا تتحمّل الأعباء والتكاليف.
أسْلم على يد أبي بكرٍ، أحْيانًا في الدعوة إلى الله تَجِدُّ كُلّ الجدّ كي تهدي إنسانًا ما, وتَجُرُّهُ جرًا إلى الدرس، ثمّ يأتي درسًا وعشرة دروس لا يأتيها، وإذا جاء تجده نائِمًا، وإنْ كان جالِسًا تجده يُفَكِّر في غير موضوع الدرس، وباله مشْغولٌ! وأَحْيانًا يُوَفِّقُك الله في دَعْوتك لِشَخْصٍ، فإذا بك تجده أصْبح علَمًا من أعْلام الدين, على ورَعٍ وعِلْمٍ وبذْلٍ وتَضْحِيَة ودَعْوة، تجده مثل الأُمَّة، والآية التي تَهُزّ مشاعِري هي قوله تعالى:
{إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}
(سورة النحل الآية: 120)
فأنت قد تكون فرْدًا، وقد تكونُ أُمَّةً، فإذا بذَلْتَ من ذات نفْسك، من عِلْمك وخِبْرتك، ومن وقْتك ومالك وجُهْدك للآخرين، وصَبَرْتَ عليهم إلى أنْ أخَذْتَ بِأيْديهم إلى الله عز وجل فاسْتقاموا على أمر الله، كلما ألْقَيْتَ عليه نظرةً يدخل إلى قلْبك سرور لا يعْلمه إلا الله، هذا قُرَّةٌ عَيْنٍ لك.