فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 800

لذلك أهْلُكَ الحقيقيُّون هم الذين اهْتَدَوا على يَدَيْك, وآباؤك الحقيقيُّون هم الذين أسْدَوا إليك الهُدى، مرةً قال أحدُهم: آباؤُك ثلاثٌة: أبٌ أنْجَبَكَ، وأبٌ زَوَّجَك، وأبٌ هداك إلى الله، فالذي أنْجَبَكَ كان له فضْلٌ كبير عليك، لأنه سبب وُجودك، ولكن هذا الوُجود ينْتهي عند المَوْت، فإذا انْتهى الوُجود انْتهى فضْل الأب، والذي زوَّجَك أبٌ آخر له فضْلٌ عليك، ولكن حينما ينْتهي الزواج بالموت ينْتهي فَضْلُهُ، أما الذي هداك إلى الله فالخَيْر الذي جاءَكَ من قِبَلِه يسْتمرّ معك إلى أبد الآباد، سَألني أحدهم فقال: أيُّهم أعظم؟ فقُلْتُ: حسب المُدَّة, فعلى قَدْر المُدَّة التي تنْتفع بها منه، لكن أكْملُ شيءٍ أنْ يقول المرءُ: تَعَلَّمْتُ على يد والِدي، فإذا كان الأب الذي أنْجَبَك هو الذي هداك فهذا من أرْوَعِ ما يكون، أو أنَّ الأب الذي زوَّجك هو الذي هداك كذلك من أرْوَعِ ما يكون، فأنْ تَجْتَمِعَ أُبُوَّتان في أبٍ فشيءٌ رائِعٌ.

أيها الأخوة, لا يوجد صحابي جليل فداهُ النبي عليه الصلاة والسلام بِأُمِّهِ وأبيه إلا سعْد بن أبي وقاص، فعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ, قَالَ: مَا سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَعَ أَبَوَيْهِ لِأَحَدٍ إِلَّا لِسَعْدِ بْنِ مَالِكٍ فَإِنِّي سَمِعْتُهُ, يَقُولُ يَوْمَ أُحُد: ٍ (( يَا سَعْد, ُ ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي ) )

[أخرجه البخاري في الصحيح عن علي]

أيها الأخوة, لو سألتُم كلَّ الناس العُقلاء وخاصَّتهم عن أعْلى شيءٍ يُمْكن أن تصِل إليه لَقالوا: هو أنْ يرْضى الله عنك، لأنه إذا رضي عنك أرْضى عنك كُلّ شيء، وإذا أَحبَّك الله ألْقى حُبَّك عند كُلِّ الناس:

يُنادى له في الكَون أنَّا نحبُّه ... فَيَسْمع من في الكَون أمر مُحِبِّنا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت