انطلق أبو الدرداء إلى متجره وتربع على كرسيه العالي، وأخذ يأمر غلمانه وينهاهم، وهو لا يعلم شيئًا مما يجري في منزله، ففي ذلك الوقت كان عبد الله بن رواحة يمضي إلى بيت صاحبه أبي الدرداء, وقد عزم على أمر، فدخل إلى بيته، ووصل إلى مكان الصنم الذي يعبده من دون الله، ماذا فعل بهذا الصنم؟ قطَّعه بالفأس إربًا إربًا.
فلما رأت زوجة أبي الدرداء ما حل بالصنم الذي يعبده زوجها من دون الله، توقعت الهلاك، وقالت له:
(( يا ابن رواحة, أهلكتَني عند أبي الدرداء, ولم يمض غير قليل حتى عاد أبو الدرداء إلى منزله فرأى امرأته جالسة أمام الحجرة, وهي تبكي وتنشج وعلامات الخوف من زوجها بادية على وجهها, قال لها: ما شأنك؟ قالت: أخوك عبد الله بن رواحة، جاءنا في غيبتك وصنع هكذا بصنمك. ) )
-أنا أقول لكم دائمًا: إنّ الإنسان أحيانًا سرُّ هداه بلحظة تفكير صحيحة، وكان ممكنًا لأبي الدرداء أنْ يغضب ويثور، ويحمل الفأس ليكسر بها رأس الذي كسر صنمه، لكن يبدو أن صديقه يعرفه عاقلًا، يعرفه منطقيًا-.
نظر إلى الصنم فوجَدهُ حطامًا، ماذا قال؟ ثم قال: لو كان في هذا الصنم خير لدفع الأذى عن نفسه، ثم انطلق من توه إلى عبد الله بن رواحة, ومضيا معًا إلى رسول الله صلى الله عليه, وأعلن دخوله في الإسلام، فكان آخر أهل حيه إسلامًا ))
وبعد؛ أمَا رأيت إنسانًا قويًّا صار ضعيفًا؟ أما رأيت إنسانًا كان في أعلى درجات الجاه فصار وضيعًا؟ أما رأيت غني افتقر؟ أما رأيت طبيبًا مرِض؟ أما رأيت قويًّا أصبح مشلولًا؟ أما رأيت إنسانًا عظيمًا صار في لحظة خبرًا على الجدران؟.
فهذا الإنسان الذي تخافه، أو الذي ترجوه، أو الذي تعبده من دون الله, وأنت لا تشعر، هذا الإنسان ألا تشله نقطة دم في بعض شرايين الدماغ, وبمكان آخر يفقد ذاكرته، وبمكان آخر يفقد عقله، وبمكان رابع يفقد بصره؟ ما هذا الإنسان الذي يقول: (أنا) وهو لا يستطيع أن يدفع عن نفسه شرًا؟.