لو زاحمت الناس وحصلت أكبر مرتبة اجتماعية، يأتي الموت ويساوي بينك وبين أضعف إنسان، هذا الموت أمرُه عجيب، ينهي غنى الغني وفقر الفقير، وقوة القوي وضعف الضعيف، وصحة الصحيح ومرض المريض، ينهي كل الميزات وكل السيئات، هذه المنافسة إذًا غير معقولة، إذًا أين المنافسة؟ في الآخرة.
فهذا أبو الدرداء رضي الله عنه ندم أشد الندم على تقصيره, وعلى تأخر إسلامه، فعزم على أن يستدرك ما فات، بالجهد الجاهد، وأن يواصل كلال الليل بكلال النهار، حتى يلحق بالركب, ويتقدم عليه, فانصرف إلى العبادة انصراف المتبتل، وأقبل على العلم إقبال الظمآن, وأكب على كتاب الله يحفظه ويتعمق في فهم آياته، ولما رأى التجارة تنغص عليه لذة العبادة, وتفوت عليه مجالس العلم تركها غير متردد ولا آسف.
هل هذا مِن أبي الدرداء حكم شرعي؟ لا, لكنه موقف شخصي يجب أن نفرق دائمًا بين الحكم الشرعي الذي يصدر عن النبي صلى الله عليه وسلم من خلال أقواله أو أفعاله أو إقراره، وبين الموقف الشخصي الذي يصدر عن غير النبي.
فلديه سبب، إنه متأخر، فمثلًا؛ هل يمكن لشخص أن يقرأ عشرين ساعة في النهار؟ الشيء الطبيعي ثماني ساعات، لكن لو فرضنا إنسانًا نام طوال العام الدراسي، وصحا قبل شهر من الفحص، ودرس عشرين ساعة في اليوم، هذا وضع استثنائي، ليس هذا أصلًا، الأصل ثماني ساعات، وتنام ثماني ساعات، ودوام ثماني ساعات, دوام وراحة ودراسة، فسببَ ترك سيدنا أبي الدرداء التجارة، أنه شعر بالتقصير والندم، وشعر أن الصحابة قد سبقوه مراحل فسيحة، وأنه فاته خير كثير.