فهرس الكتاب
-حدثني أخ ذهب إلى الهند، دخل إلى معابدهم؛ معابد السيخ، قال لي: صنم بوذا ارتفاعه ثلاثون مترًا، ضخم جدًا، وقال: أنواع الفاكهة موضوعة أمامه، فسأل لمن هذه الفاكهة؟ قال: هي له يأكلها في الليل، والذي يحدثه دكتور في الجامعة، قال: يأكلها بالليل, وهو مِن خشب، فابتسم، وقال: الرهبان يأكلونها، غيَّر التعبير، تُقدم له أشهى أنواع الفواكه وأثمنها-.
فقال له الفتى: وما عسى أن يقول مناة يا أبتاه، وهو خشب أصمّ، لا يعقل ولا ينطق؟ فقال الشيخ في حدة: قلت لك: لن أقطع أمر دونه )) .
أيها الأخوة, ثم قام عمرو بن الجموح إلى مناة، وكانوا إذا أرادوا أن يكلموه جعلوا خلفه امرأة عجوزًا، فتجيب عنه بما يلهمها إياه في زعمهم, يأتون بامرأة عجوز تقف خلفه، يسألون مناة, ويسمعون الجواب من العجوز, والعجوز وحدها هي التي تجيب، وليس مناة.
ثم وقف أمامه بقامته الممدودة، واعتمد على رجله الصحيحة، فقد كانت الأخرى عرجاء، شديدة العرج، فأثنى عليه أطيب الثناء، ثم قال: (( يا مناة, لا ريب أنك قد علمت بأن هذا الداعية الذي وفد علينا من مكة لا يريد أحدًا بسوء سواك، وأنه إنما جاء لينهانا عن عبادتك، وقد كرهت أن أبايعه على الرغم مما سمعت من جميل قوله، حتى أستشيرك، فأشر عليَّ، فلم يردّ عليه مناة بشيء، فقال: لعلك قد غضبت، وأنا لم أصنع شيئًا يغضبك بعد، ولكن لا بأس فسأتركك أيامًا حتى يسكت عنك الغضب.
كان أبناء عمرو يعرفون مدى تعلق أبيهم بصنمه مناة، وكيف أنه غدا مع الزمن قطعةً منه؟ ولكنهم أدركوا أنه بدأت تتزعزع مكانته في قلبه، وأن عليهم أن ينتزعوه من نفسه انتزاعًا، -فذلك سبيله إلى الإيمان, المؤمن كيس فطن حذر، المؤمن العاقل الكيس لا يصل لأهدافه من دون تفكير، ومن دون حكمة وخطة.
سيدنا إبراهيم, ماذا فعل؟ كسر الأصنام، ووضع الفأس في عنق كبيرهم، قال تعالى حكاية عن فعلِه هذا: