فهرس الكتاب

الصفحة 751 من 800

فطفق يبحث عنه في داخل البيت وخارجه، وهو يرغي ويزبد، ويتهدد ويتوعد، حتى وجده منكسًا على رأسه في الحفرة، فغسله، وطهره، وطيّبه، وأعاده إلى مكانه، وقال: أما والله لو أعلم من فعل بك هذا لأخزينّه، فلما كانت الليلة الثانية عاد الفتية على مناة ففعلوا به مثل فعلهم بالأمس، فلما أصبح الشيخ التمسه فوجده في الحفرة ملطخًا بالأقذار، فأخذه، وغسله، وطيّبه, وأعاده إلى مكانه، وما زال الفتية يفعلون بالصنم مثل ذلك كل ليلة، فلما ضاق بهم ذرعًا راح إليه قبل منامه، وأخذ سيفه, وعلقه برأسه، وقال له: يا مناة, إني واللهِ لأعلم من يصنع بك هذا الذي ترى، فإن كان فيك خير فادفع الشر عن نفسك، وهذا السيف معك, -انظروا إلى العقل الصغير، انظروا إلى الجاهلية، هذا كان من أشراف الجاهلية، ومن النخبة, والصفوة، ومن علية القوم وأنبلهم، بل من أذكاهم، وهذا عقله كما ترون-.

ثم أوى إلى فراشه، فما إن استيقن الفتية من أن الشيخ قد غطّ في نومه، حتى هبوا إلى الصنم، فأخذوا السيف من عنقه، وذهبوا به خارج المنزل، وقرنوه إلى كلب ميت بحبل، وألقوهما في بئر لبني سلمة، تسيل إليها الأقذار، وتتجمع فيها، فلما استيقظ الشيخ، ولم يجد الصنم، خرج يلتمسه، فوجده مكبًّا على وجهه في البئر، مقرونًا إلى كلب ميت، وقد سُلب منه السيف، فلم يُخرجه هذه المرة من الحفرة، وإنما تركه حيث ألقوه، وأنشأ يقول: والله لو كنتَ إلهًا لم تكن أنت وكلب وسط بئر في قرن, ثم ما لبث أن دخل في دين الله.

-هذه القصة لها مغزى في دين الله، فالمؤمن إذا استخدم الحكمة والعقل يصل إلى أهدافه بالتدريج، أمّا المجابهة فهي أسلوب الحمقى، فالمجابهة والسباب والشتائم والتقريع كلها أساليب بلهاء، ولكنهم تلطفوا به، وأقنعوه أن هذا الصنم لا يستطيع أن يدفع عنه شيئًا, فاقتنع بالتدريج.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت