استمعوا أيها الأخوة إلى موقف من مواقف هذا الصحابي الجليل الفتى الصغير؛ لما اعتزل بعض أصحاب عليٍّ وخذلوه، في نزاعه مع معاوية رضي الله عنهما, فعن عبد الله بن عباس, قال: (( لما اعتزلت الحرورية, وهم الخوارج، وكانوا من أشد الناس عبادة, قلت لعليٍّ: يا أمير المؤمنين, أبرد عن الصلاة لعلي آتي هؤلاء القوم فأكلمهم, فأتيتهم ولبست أحسن ما يكون من الحلل, فقالوا: مرحبا بك يا ابن عباس، فما هذه الحلة؟ قال: ما تعيبون عليَّ, لقد رأيت علَى رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الحلل، ونزل:
{قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ}
[سورة الأعراف الآية: 32]
قالوا: فما جاء بك؟ قلت: أخبروني ما تنقمون على ابن عم رسول الله صلى الله عليه؟ قالوا: ننقم عليه ثلاثا, قلت ما هن؟ قالوا: أولُّهن أنه حكم الرجال في دين الله، وقد قال الله تعالى:
{إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ}
[سورة الأنعام الآية: 57]
قلت: وماذا؟ قالوا: وقاتل ولم يَسْبِ، ولم يغنَم، لئن كانوا كفارا لقد حَلَّتْ له أموالهم، ولئن كانوا مؤمنين لقد حرمت عليه دمائهم، قلت: وماذا؟ قالوا: ومحا اسمه من أمير المؤمنين، فإن لم يكن أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين.
قلت: أرأيتم إن قرأت عليكم من كتاب الله المحكم، وحدثتكم من سنة نبيه صلى الله عليه وسلم ما لا تشكون, أترجعون؟ قالوا: نعم، قلت: أما قولكم أنه حكَّم الرجال في دين الله، فإنَّ الله تعالى يقول:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ}
[سورة المائدة الآية: 95]
وقال في المرأة وزوجها:
{وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا}
[سورة النساء، الآية 35]