فهرس الكتاب
فهنا لما اشتدَّتْ عليهم وطأة المعركة، واشتدت عليهم صعوبة الصيام وقف أبو موسى الأشعري، ونادى في الجيش: (( يا معشر المسلمين, عزمت على كل صائم أن يفطر، أو يكفوا عن القتال، وشرب من إبريق كان معه ليشرب الناس لشربه، فلما سمع المهاجر مقالته جرع جرعة من ماء، وقال: واللهِ ما شربتها من عطش، ولكني أبررت عزمة أميري.
-أحيانًا نحتاج إلى فقه، أحيانًا خدمة أخيك المؤمن أفضل من صلاة النافلة، وأحيانًا حضور مجلس علم أفضل من عبادة نافلة، فأنت بالعلم ترقى، أما بالعبادة فتتألق، يمكن للطاولة أنْ تتألق بالمسح، أما العلم فإنّه يضيف لك منزلةً جديدة، فأنت بالعلم ترقى، أما بالعبادة وحدها فإنّك تصفو.
فالصفاء ليس له مردود، أما العلم له مردود، والأولى أن تجمع بينهما، ولكن لو خُيِّرتُ بين مجلس علم، وبين الصلوات النافلة، فإنّي أحضر مجلس العلم، وأفضِّله على الصلوات النافلة، وهناك في السنة آثار كثيرة تؤكد ذلك-.
امتشق حسامه، وطفق يشق الصفوف، ويجندل الرجال، غير وجل ولا هيَّاب، فلما أوغل في جيش الأعداء أطبقوا عليه من كل جانب، وتعاورته سيوفهم من أمامه ومن خلفه، حتى خرَّ صريعًا، ثم إنهم احتزُّوا رأسه، ونصبوه على شرفة مطلة على ساحة القتال، إنّه أخو الربيع، فلما نظر إليه الربيع, قال: طوبى لك وحسن مآب، واللهِ لأنتقمنَّ لك ولِقتلى المسلمين إن شاء الله، فلما رأى أبو موسى ما نزل بالربيع من الجَزَع على أخيه، وأدرك ما ثار من الحفيظة في صدره على أعداء الله تخلَّى له عن قيادة الجيش، ومضى إلى السوس لفتحها.
هَبَّ الربيعُ وجندُه على المشركين هبوبَ الإعصار، وانصبوا على معاقلهم انصباب الصخور إذا حطها السيل، فمزقوا صفوفهم، وأوهنوا بأسهم، ففتح الله (مناذر) للربيع بن زياد عُنْوةً، فقتل المقاتلة، وسَبَى الذرية، وغنم ما شاء الله أن يغنم، ومنذ هذا التاريخ لمَع نجمُه، وذاع اسمه، وتألق صيته في كل مكان )) , إنّ الله سبحانه وتعالى, قال: