فهرس الكتاب

الصفحة 795 من 800

كل واحد منا إذا كان له أقرباء، وضيعوا في شبابهم دينَهم، فلما كبر سنهم، وضعف بصرهم، وانحنى ظهرهم، وشاب شعرهم، رُدُّوا إلى أرذل العمر، فإنْ لم يعتبرْ ويتعظْ فهو ذو عقل سخيف، تدخل حشري، والقصة تُعاد آلاف المرات فأهله يكرهونه، ويهربون منه، ويَدَعُونَه في غرفته وحده, فليعتبرْ كلُّ إنسان.

أما إذا رأيت عالمًا جليلًا، أمضى حياته في طاعة الله، فانظر إليه، انظر إلى وضاءة وجهه، وانظر إلى فطانته، وانظر هيبته، وانظر إلى التفاف الناس حوله، ففي هذا أيضًا العبرة لمِن أراد أنْ يعتبر.

مرةً أحد اليهود رأى الإمام الجنيد في موكب يركب فرسًا، وكان بهي المنظر، أزهر اللون متألقًا، وحوله من أتباعه وأخوانه العدد الكبير، وكأنه ملك من الملوك، فارتاع اليهودي لهذا المنظر، وأخذته الدهشة، وصار يتساءل.

هذا سيدنا ابن عباس كما مرّ معنا في الدرس الماضي ذهب إلى الحج، يرافقه وفدٌ فاق وفدَ الخليفة، وليس هذا هو القصد، وإنّما القصدُ أنّ هذا اليهودي يعمل في المجاري، والمياه المالحة، فقير رثّ الهيئة، جائع مبتذل، لا شأن له، يعني المصائب اصطلحت عليه، كما قال أحد الشعراء:

بلاني الدهر بالأرزاء حتى ... فؤادي في غشاء من نبالِ

فكنت إذا أصابتني سهام ... تكسرت النصال على النصالِ

لم يعد في مجلسه محلات لرفع النصال والنبال, فقال هذا اليهودي لهذا العالم الجليل: (( الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ, وَجَنَّةُ الْكَافِرِ.

-فأيُّ سجن أنت فيه, وأية جنة أنا فيها، ما هذا الكلام؟ - فقال له الجنيد: يا هذا, إذا قِسْتَ حالك بما ينتظرك من عذاب فأنت في جنة، وإذا قِسْتَ حالي بما وعدني الله من ثواب ونعيم فأنا في سجن )) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت