فهرس الكتاب
أحْيانًا موقِفٌ واحدٌ يُغَيِّر مجْرى معْركة، قال سعيد بن زَيْد: (( عند ذلك خرج رجُلٌ من صُفوف المُسْلمين، وقال لأبي عُبَيْدة: إني أزْمَعْتُ أنْ أقْضِيَ نحبي الساعة، فَهَل لك من رِسالة تبْعَثُ بها للنبي صلى الله عليه وسلَّم؟ هكذا كان الصحابة, رأى المَوْت وبعده الجنَّة، رأى الموتَ يتألَّق، فقال أبو عُبَيْدة: نعم، أقْرِئه مني ومن المسلمين السلام، وقُل له يا رسول الله: إنا وجَدْنا ما وعدنا ربنا حقًا ) )والنبي عليه الصلاة والسلام لما انْتَهَتْ معركة بدْرٍ، ورأى صناديد قُرَيْش قد قُتِلوا وهم جُثَثٌ مُتَفَسِّخة خاطبهم واحدًا واحدًا: يا شيبةُ، يا عُتْبة، يا فُلان، وتَرْوي كُتُب السيرة أنهم خاطَبَهُم فَرْدًا فرْدًا، قال: (( هل وجَدْتم ما وعَدَ ربكم حقًا؟ فإني وَجَدْتُ ما وعدني ربي حقًا, لقد أخْرَجْتُموني وآواني الناس، وخَذَلْتُموني ونصَرَني الناس، قالوا: يا نَبَيَّ الله، أَتُخاطِبُ قومًا جَيَّفوا؟ قال: ما أنتم بِأَسْمَع لما أقول منهم، ولكنَّهُم لا يُجيبونني ) ).
قال سعيد: (( فما إنْ سمِعْتُ كلامه ورأيته يمْتَشِقُ حُسامه، ويَمْضي إلى لِقاء أعْداء الله حتى خررتُ إلى الأرض، وجَفَوْتُ على رُكْبَتَي، وأشْرَعْتُ رُمْحي، وطَعَنْتُ أوَّل فارِسٍ أقبل علينا، ثمَّ وَثَبْتُ على العَدُوّ، وقد انْتَزَعَ الله كُلّ ما في قلبي من الخوف ) ).
فالإنسان إذا نوى أعانه الله، وبِالمُناسبة مرَّ معي قَوْلٌ مأثورٌ يُعْزى إلى النبي عليه الصلاة والسلام: (( ما كان الله لِيُعَذِّب قَلْبًا بِشَهْوَةٍ تركها صاحِبُها في سبيل الله ) )
[ورد في الأثر]
حينما تخْتارُ اخْتِيارًا صحيحًا فالله عز وجل يمْلأُ قلبك غنىً وشَجاعَةً وطُمَأنينةً، إذا خاف الناسُ فأنت مُطْمئِنّ، وإذا ارْتَعَدَت فرائِص الناس فأنت مُتماسِك.