فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 166

وهذا التأصيل التاريخي للتفسير الموضوعي لا يسلم من المناقشة والاعتراض؛ لأننا لو سلمنا به سنقع في إشكالية التعريف التي تقدم ذكرها، فهل ما ذكره من فهم الصحابة هو ما عناه من تفسير موضوعي!! وهل المنهج الذي ذكره هو ما سار عليه الصحابة الكرام رضوان الله عليهم في فهم موضوعات القرآن!!

ثم هناك قضية أخرى، وهي: أننا لا نستبعد أن يكون تحت كل آية موضوع، فهو كلام الله المعجز؛ لكن المحظور في مثل هذا الاتجاه هو أن التجزيئية التي وقع فيها مفسرونا الأوائل في فهم النص القرآني تنتقل إلى التفسير الموضوعي، يصبح البحث منصبا على آيات محددة تحت اسم التفسير الموضوعي، هذا فضلا عن الصعوبة الهائلة التي ستواجهنا في إقامة الأدلة لإثبات تاريخ نزول نجوم القرآن وتحديدها، وحصر الآيات الواردة في كل نجم، على أننا لا ننكر أبدا أن يكون للتفسير الموضوعي جذور قديمة تمثل خيوطا حقيقية لنسج تفسيري موضوعي.

كذلك الأمر بالنسبة إلى القول القائل: إن التفسير الموضوعي بدأ في عصر الرسول - صلى الله عليه وسلم - ويعنون بذلك تفسير القرآن بالقرآن، ويمثلون لذلك بإرشاد الرسول - صلى الله عليه وسلم - أصحابه إلى قوله تعالى: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13] لتفسير قوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ} [الأنعام: 82] . وإرشادات أخرى شبيهة بهذا الاستدلال، والسبب أن هذا لا يثبت وحدة الموضوع في القرآن، ولا وحدة الموضوع في السورة. غاية الأمر أن هذا المسلك يشبه في صورته صورة الجمع الموضوعي لآيات القرآن التي تعالج قضية معينة، ولكن على نطاق ضيّق ومحدود. وقد كان - صلى الله عليه وسلم - يجمع بين الآية والآية التي تبيّنها، وتكشف عن معناها، فهو يختلف عن التفسير الموضوعي هدفا وغاية ومنهجا.

أما عن أول من سلك هذا المسلك في تفسير القرآن فيرى د. مصطفى الصاوي الجويني أن عمرو بن بحر الجاحظ (ت: 255 هـ) الذي يمثل فكر مدرسة - الاعتزال - وطريقة بحثها، حيث كانت تحيط القرآن بالنظرة الشاملة، وبالتقصي الجزئي لآيات القرآن وموضوعاته - أول من أشار في كتاباته إلى التفسير الموضوعي، قال: ولعل الجاحظ حين سلك مسلك مدرسته هذا؛ ووسع نظرته الشاملة إلى القرآن متنبه إلى ما ننادي به اليوم من تفسير موضوعي للقرآن، يتناول موضوعا موضوعا في وحدة متكاملة، وفي نسقها التاريخي (1) . ويمثل لذلك بدرس الجاحظ

(1) مصطفى الصاوي الجويني: مناهج في التفسير (بلا تاريخ) ، منشأة المعارف، الإسكندرية ص 158.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت