يبيّن القرآن طرفا من الجدال الواقع بين الملأ وبين الأتباع الذين انصهرت مواقفهم وشخصياتهم في أشخاص سادتهم؛ ليضعهم أمام المسؤولية الكاملة يوم القيامة فتنقطع معاذيرهم، وتبطل حججهم فيسعون إلى التوبة قبل مواجهة ذلك المصير البئيس. يعرض القرآن هذا المشهد ليصور كذلك جزاء المكذبين بمنهج الله تعالى، الماكرين به، المشككين برسالات الأنبياء، الرافضين أن يحكم شرع الله مجالات الحياة الإنسانية. يقول سبحانه:
{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ. قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ. وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [سبأ: 31 - 33] .
إنهم ما فتروا ليلا ولا نهارا عن المكر بالناس ليكفروا بكل ما جاء من عند الله تعالى، ويجعلوا لله شركاء آخرين يقبعون خلف الأهواء والشهوات، أو خلف العلم والتكنولوجيا، أو بأي صورة تشغل الناس عن الله وتباعد بينهم وبينه، فالعلم والمعرفة قد سُخّرا على أيدي الماكرين من أجل إبعاد الناس عن منهج الله تعالى. إن الآيات الكريمة تبيّن أن هناك جهودا ضخمة تبذل لكي يبقى الناس في عبودية إما لشهوة العقل والترف الفكري والعلمي، وإما لشهوة البطن والفرج، وإما في عبودية لها جميعا.
وتأمل قوله تعالى: {بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} إن أهل الحق إن أعطوا من وقتهم ساعة لهداية الناس، فإن أهل الباطل يعطون الليل والنهار لتضليل الناس وصرفهم عن منهج الله تعالى وهدايته!!
وانظر في حكمة تقديم الليل على النهار لتدرك أنهم لا يفترون عن المكر، وإن نهارهم وليلهم سواء في ذلك، وهو تصوير لمدى النشاط المستمر المبذول من أجل ذلك الهدف!!
إن ذلك كله قد ساقه القرآن في موطن بيان حالهم يوم القيامة؛ ليدركوا عظمة الجرم الذي جاؤوا به، والعمل المشين الذي قاموا به من إعراض وتكذيب واستكبار وصدّ عن منهج الله ومحاربة له؛ فاستحقوا على ذلك أن يكبلوا بالأغلال ويكبوا في نار جهنم. وهو مصير مؤلم