فهرس الكتاب

الصفحة 121 من 166

حزب تأويل حسب مذهبه، وحينئذ لا يمكن رعاية النظام، فإن الكلام لا بد له من سياق، ولا بد لأجزائه من موقع يخصّه ... (1) .

وهي أسباب فيها من القوة والواقعية بحيث لا تترك لمفسر معاصر حجة أو شبهة في انصرافه عن نظام القرآن عامة، ونظام سوره خاصة.

الفصل الثاني: منهجية البحث في وحدة الموضوع في السورة

لقد جرى التفسير التحليلي ولفترة طويلة من الزمن على النمط المعروف من تحليل مفردات الآية، والبحث في تركيبها لغة وبلاغة، واستخراج المعاني والدلائل والعبر - وكل ذلك كان يتم بمعزل عن الموضوع الرئيس في السورة، وقد وجدنا من المفسرين من ينتقد هذا المنهج التجزيئي. وأنا أكرر دعوتي بأن يتم التفسير التحليلي على ضوء موضوع السورة، بحيث تظهر شخصيتها المميّزة، وخصائصها المستقلة، ولا أعني بهذا إلغاء التفسير التحليلي.

أما تحديد موضوع السورة - قصيرة أو طويلة - فيتطلب من الباحث دراسة واعية متأنية، تبتدئ من الآية الأولى، وتستمرّ حتى نهاية السورة. ويتطلب أيضا إدراكا عميقا لأساليب القرآن، ونظرا ثاقبا في محتوى السورة ومضمونها. وأن يتجنب الباحث النظرة السريعة لموضوع السور. ولا تتم عملية البحث في موضوع السورة بمجرد قراءة عابرة، أو نظرة خاطفة، بل قد يأخذ ذلك فترة من الوقت. فقد ذكر برهان الدين البقاعي في مقدمة تفسيره أنه كان يمكث فترة طويلة وهو يبحث عن مجرد مناسبة بين آية وآية، فقال: « ... فلا تظنن أيها الناظر لكتابي هذا أن المناسبات كانت كذلك قبل الكشف لقناعها، والرفع لستورها، فرُبَّ آية أقمت في تأملها شهورا» (2) . فالمناسبة أمر لا غنى عنه مطلقا في إدراك موضوع السورة - فكم تتطلب منا عملية البحث عن الموضوع الذي يجمع كل آياتها، الموضوع الذي تتميز به عن بقية السور! ومن هنا يستطيع المفسر أن يظهر مقدرته وكفاءته وأهليته في التعامل مع النص القرآني، فالبحث في الوحدة الموضوعية بحث اجتهادي يتطلب النظر والتأمل، والاستقلال بالفهم.

ومنهجية البحث في الوحدة الموضوعية في السورة أظن أنها أعمق مما صوّرها د. الصعيدي، حيث قال: «لم يوجد من المفسرين من يعنى بهذا الأمر على الوجه اللائق به، وغاية ما يفعله بعضهم

(1) الفراهي، دلائل النظام، مرجع سابق، انظر ص 21 - 26.

(2) البقاعي، نظم الدرر، مرجع سابق 1/ 14 - 15.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت