المرحلة السابقة من عداء إبليس للحق وأهله، وكيف جرّ الغاوين إلى ما يوجب غضب الله تعالى وسخطه حين لم يعتصموا بمنهج الله الذي جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام، فاعتبروا يا أولي الألباب!
وهي بمثابة الخاتمة للموضوع، وتتضمن تأكيدا على مقدمة السورة ومطلعها، وتوجيهات إلى مبلّغ هذا المنهج - صلى الله عليه وسلم - تتأكد وتتجلى الحكمة الإلهية في خلق الكون، وفي إنزال هذا الكتاب، وفي تكليف الإنسان بالقيام بدوره، وتحمّله نتيجة تقصيره في الالتزام بهذا المنهج وتبليغه، والمسؤولية الكاملة عن ذلك.
وقد ظهر من قبل كيف أن المظاهر المادية لا تغني عن الإنسان من الله شيئا، وأن لا شيء ينفعه إلا الانقياد لله تعالى، فلا يسيرنّ في الكون سير المخرّب، بل سير المسترشد المستنير بهدي خالق هذا الكون، وسير المعمِّر الباني؛ فإن الله تعالى ما خلق هذا الكون إلا لغاية وحكمة:
{وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ. إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ} [85 - 86] .
وإن هذا الخلق سينتهي أجله بقيام الساعة، فلتكن يا رسول الله رحب الصدر، عفُوًّا كريما؛ لأن عدل الله سبحانه سيتجلى فيكم بإحقاق الحق وإبطال الباطل، فإن الأخلاق العالية الرفيعة هي من دعائم ومقتضيات الدعوة إلى منهج الله تعالى، لقد خلق الله الكون وخلقهم وهو الخلاق: العليم بما يخلق ومن يخلق، العليم بما يصلح لهذا الخلق. وإن هذا الخلق لن يكون له صلاح إلا بهذا المنهج الذي ارتضاه لهم، وأنزلنا عليهم تفضّلا ومنّة وكرما وإنعاما:
{وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ} [87] .
وبه تتم آخر رسالة إلهية للإنسانية جمعاء في عمرها الأخير، ولن يكون هناك أعظم منه هديا، وأبلغ حجة، وأحسن طريقا، وأقوم شرعة ومنهاجا، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدي في غيره أضله الله.