فهرس الكتاب

الصفحة 165 من 166

{وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ. فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ} [78 - 79] .

"أي: طريق يؤم ويتبع ويهتدي به، واضح لمن أراده، بحيث إنه من شدة وضوحه موضح لعظمة الله وانتصاره لأنبيائه ممن يكذبهم، وهو مع وضوحه مقيم في مكانه لم تندرس أعلامه، ولم تنطمس آثاره" (1) .

الظلم وخيم العاقبة، سيء المآل، وهو اعتداء على النفس والفطرة، وإهمال لدور العقل وكبت له، بل وصدّ عن الأخذ بهذا المنهج، وانحراف خطير في حياة الأمم، وإفساد لكل نظم الحياة. فليحذر الناس الظلم، فإنه لا يبقي ولا يذر. لقد قابلوا رحمة الله لهم بالتنكر والكفران، فما أظلم الإنسان!!

ثم ينتقل السياق لبيان مشهد آخر من حياة الأمم السابقة، فيعرض جانبا من حياة أصحاب الحجر التي سميت هذه السورة باسمهم، وقد خص القرآن من بين جرائمهم التكذيب والإعراض، أي التكذيب بأحقية منهج الله تعالى بإصلاح حياة الناس ومعاشهم، والحيلولة بينه وبينهم حتى لا يتبعه أو يؤمن به أحد. وهو تكذيب بالعقيدة وإعراض عن الشريعة؛ فلذلك استحقوا أن يعاقبوا عقابا صارما، ولم يغن عنهم ما هم فيه من الله شيئا:

{وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ. وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ. وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ. فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ. فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [80 - 84] .

هذه عاقبة الطغاة والمستكبرين عن منهج الله الذي جاء به رسل الله وأنبياؤه، وجعلها للناس آية، وجعل الغاية منها تنبيه الغافلين على أن من يرفض منهج الله الذي أنزله ليحفظ به الإنسان والإنسانية، فإن جزاءه العقاب الصارم، والهلاك المحقق ما في ذلك شك أبدا، وليعلم المتفرنجين ودعاة التغريب أن الحياة على النمط القرآني هي التي تحفظ البشرية، وتحقق لها الحرية والعدالة، وتقودها إلى برّ الأمان.

ليس هناك حافظ إلا شرع الله تعالى، وليس هناك عاصم إلا كتابه، فمن تمسك بهما هدي إلى صراط مستقيم، ونجى في الدارين، ونال السعادتين، على أن الإنسان مكلف بأن يقيم بعثه الحضاري على هداية القرآن وسننه.

وقد تبيّن من عرض آيات السورة أهم الأسباب الموجبة للهلاك والدمار، فصّلت ما ذكر في

(1) البقاعي، نظم الدرر؛ مرجع سابق، جـ11 ص 79 - 80.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت