الله تعالى. ولذلك، كان النظر في المكي والمدني من آيات القرآن أمرا ضروريا في منهج البحث في التفسير الموضوعي.
وهو أمر مهم بالنسبة إلى دراسة قصص القرآن خاصة، وحقيق بأن يحاط بأهمية وعناية قصوى في دراسة موضوعات القرآن الكريم. ومقصودنا به قريب من مقصودنا بالمكي والمدني، لكن هنا على نطاق أوسع. فدراسة قصة آدم - مثلا - ستكون مختلفة عن دراسة قصة نوح - عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام - من حيث واقع الرسالة السماوية في كلا العصرين، ومواكبتها لحركة المجتمع في كل عصر من حيث الأحوال والأوضاع التي كانت قائمة فيها.
وعلى سبيل المثال إذا درسنا قصة شعيب مع قومه، وقصة موسى مع فرعون، فسنجد للاختلاف البيئي أثرا ملموسا؛ فقد كان للعشيرة شأن وقيمة في قصة شعيب - عليه السلام -، فحيث وصل مع قومه إلى طريق مسدود، كان الموقف الاستكباري يتراوح بين إخراجه من الأرض التي يحيا ويعيش فيها وإجباره على ترك ما يدعو إليه ليسود منهج الباطل، وبين التهديد بالرجم وهو الإعدام حتى الموت لولا أن رهط شعيب - في نظر قومه - كانوا العقبة التي تمنعهم من إخراجه وقومه من أرضهم:
قال تعالى حاكيا عنهم: {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} [الأعراف: 88] .
وقال: {قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ} [هود: 91] .
في حين نجد الموقف الاستكباري الفرعوني قد ترجم التهديد إلى تنفيذ، فتبع موسى ومن آمن معه لاستئصالهم والقضاء عليهم حتى لا يعود لمنهج الله أي أثر في حياة الناس؛ لقد تجرّأ فرعون على مثل هذا العمل بسبب الإمكانات المادية الضخمة التي كان يمتلكها من أموال طائلة، وجيوش جرّارة، وشيء من حضارة مادية بناها.
ولا بدّ من مراعاة البعد التاريخي والبيئي في دراسة الأقوال التي تفوّه بها الذين كفروا في مواجهتهم للدعوة الإلهية على مرّ العصور؛ لماذا قيلت هذه الأقوال؟ وما الدوافع وراءها، وما هي أبعادها، وما الأسس التي بنوا عليها تلك الأقوال، وما الذي حتّم عليهم قولها؟ كل أولئك على