فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 166

هذه هي العناصر التي يتألف منها موضوع"المكر"في القرآن الكريم، تتلاحم جميعها لكي تبيّن أهدافه وغاياته وأبعاده وأضراره وبعض وسائله، وتجعل المسلمين على بيّنة، بل تجعل الناس جميعا أمام مسؤولية عظمى بين يدي الله سبحانه وتعالى في الحياة الدنيا ويوم يقوم الحساب.

لقد قضى الله سبحانه بالحكمة حين جعل في الحياة وحكم بأن يكون هناك خير وشر، وحق وباطل، وفضيلة ورذيلة، إلى غير ذلك مما يتبع الإيمان أو الكفر. وحتى يتحقق دور الإنسان في الخلافة، ويكتمل بتحقيق العبودية لله على الأرض كان أن قضى سبحانه بوجود إبليس رمز الكفر والشر، والمكر والرذيلة؛ لكن يكون العنصر الضاغط والمحرك للإنسان الذي كلّف بأن يغالب هوى نفسه، ويمتثل لأمر ربّه. وهذا هو الابتلاء، وهذه هي الفتنة التي ابتلى الله بها البشر، كما أخبر الله سبحانه بقوله: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} [الأنبياء: 35] .

والمكر - في الغالب - نوع من السلوك المبطن أو التدبير الخفي أو التخطيط السريّ يقوم به أهل الباطل، لكي يوقعوا الضرر والأذى بأهل الحق في ظل صراع المنهج الرباني مع المناهج الوضعية التي اخترعها البشر، لتقود الحياة الإنسانية، وهو - على كل الأحوال - معدود من الأسباب المؤدية إلى الهلاك، هلاك كل من يقف في طريق منهج الله تعالى، صدودا كان ذلك الوقوف أو إعراضا أو سعيا إلى تعطيل هذا المنهج أو محاربته وأعتراض سبيله. وهلاك المجتمعات البشرية وفساد أسباب حياتها باتخاذها ذلك الفعل سنة لها، وطريقة تبني عليها نهج حياتها.

وقد كان أهل الباطل أو"الملأ"بتعبير القرآن في التاريخ البشري هم الذين يعترضون منهج الله، ويحرّضون الناس عليه، ويسخرون ما وهبهم الله إياه من أسباب القوة - بحكم أمره القدري التكويني - للتسلط على المجتمعات، وإساءة توجيهها وإبعادها عن منهج الله تعالى، فإذا تحقق أن سادت هذه الفئة المجتمعات البشرية فهو نذير شؤم، وإشارة هلاك إلى تلك المجتمعات كي ترجع إلى ربها فتهتدي إلى ما يصلح حياتها، ويدفع الخطر عنها بإقصاء أولئك المكرة عن سدّة التوجيه والقيادة. قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا} [الأنعام: 123] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت