مشاهدها وأحداثها وما وافق تلك الأحداث من أحوال وملابسات، وليأتِ بعد ذلك علماء الاجتماع والتاريخ ليدرسوه، ولينطلقوا منه في تجلية علوم إسلامية في التاريخ والاجتماع ...
الواقع الذي نريد للمفسر أن يعنى به في دراسته لموضوعات القرآن، هو واقع تنزيل القرآن الكريم، وما واكبه من أوضاع وأحوال كان القرآن شاهدا عليها أيام نزوله؛ لأن القرآن الكريم ينبي معالجته للواقع البشري بمنهجية تتميّز بأسس عامة، وأطرٍ ثابتة. ويترك للعقل البشري حرية السير ضمن تلك الأطر، ومحاولة الوصول إلى موقف أو حقيقة بتفهّم ظروف وأحوال وبيئة عصره، والتطلع إلى واقع عصره محدثا الانطلاقتين اللتين قررناهما سابقا؛ انطلاقة من الواقع إلى القرآن، وانطلاقة من القرآن إلى الواقع، لتتم عملية التخلية والتحلية في أوسع معانيها وآفاقها على مستوى الفرد والأمة.
ثم يفسّر آيات الموضوع، ويكون التفسير كذلك مرتبطا بالحياة المعيشة، والواقع الحياتي بكل أبعاده. فيكتسب الصفة العملية الواقعية الشمولية. ولا بدّ من أن يكون هذا التفسير تفسيرا مفصلا وغير منفصل عن آيات الموضوع نفسه، وأن يلتحم التفسير التحليلي في خدمة الموضوع المدروس، وليحذر المفسر الاننشغال بعرض الاختلافات اللغوية، والمسائل النحوية، والتفريعات الفقهية، والروايات الأثرية، والمباحث الكلامية، والمناقشات الفلسفية، والمباحث العلمية ... إلا بالقدر الذي يخدم ذلك الموضوع، ولا ينبغي له أن يختزل الموضوع المدروس لحساب التفسير التحليلي وقضاياه المتشعبة؛ لأنها وسائل تقود إلى المعنى وتوصل إليه، وهذه الوسائل لا تتحول إلى غايات، ومن الممكن بعد شرحها - الآيات - أن نفتح القلوب بالمعاني النائية للوحي الإلهي، وكيف يهدي الله الناس إلى الحق بما شرع (1) فهي إذن ليست مقصودة لذاتها. وهنا يلتقي التفسيران: التحليلي والموضوعي في توافق عجيب، وانسجام علمي وعملي رائع.
ومن المفروض أن يطّلع المفسر الباحث على تراثنا التفسيري الذي احتوى كنوزا من العلوم، وجواهر نفيسة من المعاني تخدمه في موضوعه الذي يفسّره، وتكون عونا له في إدراك أبعاد ذلك الموضوع، والإحاطة به من جميع جوانبه. وأنا زعيم بأن ذلك سيعطي الموضوع آفاقا أوسع، إلا في الموضوعات وثيقة الصلة بواقعنا المعاصر.
(1) محمد الغزالي، تراثنا الفكري في ميزان الشرع والعقل (1991) ، نشر المعهد العالمي للفكر الإسلامي، فرجينيا، الولايات المتحدة، ص 124.