وهو فرعون الطاغية. وهذا البعد الحضاري في صفة المؤمن وخلقه يحيل بينه اللجوء إلى المكر في الدعوة إلى دين الإسلام. إن المؤمن في مفهوم القرآن لا يكون ماكرا، وإن أهم ما يميّزه الوضوح؛ لأنه صاحب منهج، وحامل رسالة، ومبلغ دعوة، فهو إنسان مثالي لا يلجأ إلى وسائل خبيثة في التعامل مع أهل الباطل، فضلا عن التعامل مع إخوانه المؤمنين، إن المكر ليس صفة للمؤمن في مفهوم القرآن، لكن هذا لا يمنع من أن يستخدم المؤمن المكر كوسيلة لصدّ عدوانٍ أو لدفع ضرر، فحين يعلم بمكر أعداء الله به، فإنه عند ذلك كَيِّسٌ فَطِنٌ، إذا أصابه البغي انتصر، لا يخنع ولا يستسلم.
ذكر ابن فارس أن المكر هو الاحتيال والخداع، وأن الإخداع هو إخفاء الشيء (1) . لكن هناك فرق بين استعمال القرآن للخداع واستعماله للمكر، وهو أنه لم يذكر فعل الخداع - في الغالب - إلا مقرونا بالنفاق والمنافقين الذين يشبهون الضبّ في فعله، بينما ذكر المكر بجانب الكافرين والمشركين مطلقا؛ وذلك لأن المنافق يهدف إلى صرف النظر عما هو فيه، والاختفاء والتستر على ما يفعل أو يقول، وليظهر بعد ذلك بمظهر حسن يبعد عنه الريبة والشكوك. أما المكر فلا يجد أهل الباطل حرجا في الإعلان به مع الحرص على أن تكون الوسائل والطرق التي يسلكونها خفية مستورة. أما قوله تعالى: {وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ} [الأنفال: 62] وإن كان الضمير يعود على الذين كفروا، فإنهم في تصرفهم هذا يشبهون المنافقين إلى حد كبير، وهو تصرف مقصود، أو أنهم اضظروا إليه، نظرا لهيمنة المسلمين على الموقف، وقبضهم على زمام الأمر. وقد كثر الاستعمال القرآني لهذا المعنى.
والفرق الثاني: هدف كل منهما؛ فالخداع يقصد به التمويه والتضليل ولا كذلك المكر، بل يقصد به إلحاق الضرر والأذى بالغير بلا مواربة.
بلغ عدد الآيات المتحدثة عن المكر ثلاثا وعشرين آية. وقد ورد معظمها في السور المكية، ليصور القرآن بذلك الحملة الشرسة ضد هذا الدين في أول عهده. بينما اضطرت هذه الحملة إلى
(1) انظر أبو الحسين أحمد بن فارس، معجم مقاييس اللغة، تحقيق عبد السلام هارون (1969) ، مطبعة الحلبي، مصر، جـ 5 ص 345، جـ 2 ص 161.