لموضوع النار في القرآن. وموضوعات أخرى، مثل: ما ذكر به الكلب في القرآن من مديح أو ذم، وبعض أنواع العذاب المذكور في القرآن كالعذاب بالجراد، والقمل، والماء، وموضوع الملائكة في القرآن. ويقول: حقا لم يطبق الجاحظ منهج التفسير الموضوعي بتفصيلاته كما نفهمه اليوم، ولكن على كل حال هو مدرك لأصل الفكرة، وهو أن يكون الموضوع القرآني محور التفسير في نسق تاريخي متكامل (1) .
ومع موافقتي للجويني في ما ذهب إليه من تفطن الجاحظ لهذا اللون من التفسير في وقت مبكر من تاريخ الدراسات القرآنية، إلا أنني أخالفه في أن الجاحظ لم يقل ولم يشر إلى أن تكون دراسة الموضوع في نسق تاريخي متكامل! ولم يظهر درسه للموضوعات التي تناولها في كتابه"الحيوان"هذا النسق التاريخي المتكامل! بل هو شرط صارم شاق قيدت به المدرسة الأدبية نفسها لتحقيق بغيتها الأدبية الفنية المتمثلة في إدراك إعجاز القرآن من منظور أدبي جديد، والتعرف على الاستخدامات القرآنية لمعاني الكلمات ودلالاتها.
وللإمام محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية (ت: 751 هـ) في هذا المضمار جهد حريّ بأن يذكر، فقد صنف كتابا سماه"التبيان في أقسام القرآن"، وقد قصد ابن القيم فيه إلى درس موضوعي خاص هو القسم في القرآن، وقد انتظم نظرات عامة لصنيع القرآن في الإقسام، ولكنه مع ذلك لا يستقصي تتبع النظائر ويتولاها بالتفسير المقابل الذي يستعان فيه على فهم بعض القرآن ببعضه، فهما يعطي الفكرة الموحدة عن المنهج القرآني في القسم بشيء خاص؛ ويحصي ما ورد من ذلك فينظر في جملته، وإن كان قد ألمّ بشيء من هذا إلماما سريعا لا يشفي (2) .
ويرى بعض الباحثين أن التأريخ للتفسير الموضوعي يبدأ من القرن الثاني الهجري حيث إن أول من كتب في التفسير الموضوعي هو قتادة بن دعامة (ت: 118 هـ) في كتابه"الناسخ والمنسوخ". ثم أبو عبيدة معمر بن المثنى (ت: 210 هـ) في"مجاز القرآن". ثم أبو عبيد القاسم بن سلّام (ت: 224 هـ) في"الناسخ والمنسوخ". ثم جاء السجستاني (ت: 330 هـ) فألّف"غريب القرآن". ثم جاء الإمام أبو بكر الباقلّاني (ت: 403 هـ) فكتب"إعجاز القرآن".. ومن المحدثين مصطفى صادق الرافعي (ت: 1356 هـ) في كتابه"إعجاز القرآن"و"البلاغة النبوية".
(1) المصدر السابق نفسه، ص 160.
(2) انظر: إبراهيم خورشيد وزملاؤه: دائرة المعارف الإسلامية (بلا تاريخ) ، دار الشعب، مصر، الجزء التاسع، ص 428 - 429.
وانظر عفت الشرقاوي: الفكر الديني في مواجهة العصر (1979) ، دار العودة، بيروت، ص 353.