فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 166

والمراغي في بحثه"ترجمة القرآن الكريم". ومحمد فريد وجدي (ت: 1373 هـ) في بحثه"الأدلة العلمية على جواز ترجمة القرآن الكريم" (1) .

وأرى أن هذا لا يصلح أن يكون تأصيلا تاريخيا لبداية التفسير الموضوعي، وهذه الجهود مع ما لها من قيمة وأهمية، إلا أنها لا تدخل في نطاق التفسير الموضوعي للقرآن؛ والسبب أن هذه الجهود، وإن عالجت موضوعا مفردا، لكن هذا الموضوع لم يقصد به حقيقة التفسير، ولا التعرف على موقف القرآن من كل موضوع بعينه. ثم هي دراسات حول القرآن الكريم، فكتب الناسخ والمنسوخ أو كتب غريب القرآن جمعت الآيات المتعلقة بذلك الموضوع دون سواها؛ لتكون دعامة لغيرها من العلوم؛ فعلم النسخ يحتاج إليه مثلا في موضوع الأحكام. وعلم غريب القرآن يحتاج إليه في علم التفسير، وهو لا يعني آيات معينة. وكتب الإعجاز تعدّ دراسات وصفية تحليلية للنص القرآني كله. ومباحث الترجمة تمثل دراسة حول موضوع خارج عن النص القرآني.

وقد كان الجاحظ في هذا المقام أكثر وضوحا، وأعمق إدراكا لمفهوم التفسير الموضوعي في القرآن؛ ولكن هذا الإدراك - في الحقيقة - لم يأت من فراغ، فقد كان لمصنفات الحديث النبوي التي بوّبت أقوال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأفعاله تحت موضوعات محددة كأبواب الإيمان والطهارة والصلاة والزكاة الصيام والحج - أثر لإحاطة القرآن بنظرة شمولية أدت مع طول النظر والتأمل إلى تأكيد أهمية البحث في موضوعات القرآن موضوعا موضوعا، بل قامت مدرسة الأمناء تنادي بضرورة الاتجاه هذه الوجهة في تفسير القرآن الكريم.

والسرّ في عدم ظهور هذا الاتجاه قديما كما يقول بعض الباحثين هو:

-أن التفسير الموضوعي اتجه اتجاها متخصصا، ومبدأ التخصص لم يكن قديما متجها إليه.

-وثانيا: أن حاجتهم لم تكن ماسة لدراسة موضوعات القرآن على هذا النحو (2) .

لكن الواقع العملي للعصور الإسلامية قد شهد تخصصا دقيقا في مختلف فروع المعرفة بالقدر الذي أتاحته الإمكانات المتوفرة في تلك العصور، والتخصص بهذا المفهوم هو من نتاج عصرنا الذي قطع العلم فيه أشواطا هائلة تعادل - في فترة وجيزة - عمر البشرية كله، فلا نعممه على العصور السابقة كلها.

ولقد مرّت الأمة الإسلامية في عصور ضنكى، وأيام شديدة، وأحوال عصيبة، تؤكد حاجتهم الماسة إلى مثل هذه الدراسات الموضوعية، والسبب - في رأيي - يرجع إلى قضية التقليد، هذا السلطان الذي خيّم على العقلية

(1) أحمد الكومي وزميله: التفسير الموضوعي للقرآن الكريم (1982 م) ، دار النشر مجهولة، مصر، ص 20 - 21، وقد أضفت وفيات المحدثين.

(2) عبد الحي الفرماوي: البداية في التفسير الموضوعي (1984 م) ، دار النشر مجهولة، مصر، ص 57.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت