فهرس الكتاب

الصفحة 85 من 166

وهذا - كذلك - بالنسبة إلى المؤمنين، لكنه مع شدّته وقوّته لا يمكن أن يزحزح الحق عن ثباته، وسيبقى مكرهم قويًّا شديدا. وقد تجلّت لنا في عصرنا هذا مظاهر مكرهم الخبيثة في ضرب المسلمين من كل جانب: سياسي، واقتصادي، وعسكري، وتربوي، وأخلاقي، واجتماعي، وفكري، وثقافي، ... ، وفي كل موطن من عالمنا الإسلامي، أقول: سيبقى هذا المكر قويا شديدا ما لم يرجع المسلمون إلى ربهم، ويثوبوا إلى رشدهم، ويبادروا إلى العودة إلى مكانهم الذي يعيّنت معالمه في كتابهم؛ للقيام بواجب الخلافة في الأرض، وتحرير الإنسانية.

ثانيا: توجيهات القرآن الكريم إلى أهل المكر والإفساد

الطريق الأول: لا يحيق المكر السيئ إلا بأهله

لقد جعل الله سبحانه في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها بحكم أمره القدري التكويني، وما يمكرون في الواقع إلا بأنفسهم، يقول الله سبحانه:

{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} [الأنعام: 123] .

يقول صاحب المنار:"لقد جعل الله في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها فزين لهم بحسب سنتنا في البشر سوء أعمالهم في عداوة الرسل ومقاومة الإصلاح اتباعا للهوى واستكبارا في الأرض ... إن سنة الله تعالى في الاجتماع البشري قد مضت بأن يكون في كل عاصمة لشعب أو أمة أو كل قرية وبلدة بعث فيها رسول أو مطلقا رؤساء وزعماء مجرمون يمكرون فيها بالرسل، أو بأن يكون أكابرها المجرمون ماكرين فيها بالرسل في عهدهم، وبسائر المصلحين من بعدهم. وكذلك شأن أكثر أكابر الأمم والشعوب - ولا سيما في الأزمنة التي تكثر فيها المطامع ويعظم حب الرياسة والكبرياء - يمكرون بالناس من أفراد أمتهم وجماعاتها ليحفظوا رياستهم ويعززوا كبرياءهم ويثمروا مطامعهم فيها، ويمكر الرؤساء والساسة منهم بغيرهم من الأمم والدول لإرضاء مطامع أمتهم وتعزيز نفوذ حكومتهم في تلك الأمم والدول. وقد عظم هذا المكر في هذا العصر فصار قطب رحى السياسة في الدول، وعظم الإفك بعظمه لأنه أعظم أركانه" (1) .

وفي قوله تعالى: {وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ} بيان حقيقة أخرى من طبائع الاجتماع الإنساني متممة لما قبلها، وهي تتضمن الوعيد لأكابر مجرمي مكة الماكرين، والوعد والتسلية للنبي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت