الموضوعية في السورة القرآنية بصورة جلية يثبت ارتباط الآي بعضها ببعض، فتتناسق آياتها وتتلاحم حتى تكون كالسبيكة الواحدة ... ولهذا ردّوا من التفاسير كل ما يخالف الهدف الذي سيقت له السورة، حتى يكون موضوع السورة أساسا في فهم آياتها (1) .
ولعله لا يمكن أن يُتَصوّر أن يكون الإقرار بالوحدة الموضوعية بحال من الأحوال ردّة فعل، وإزاء ذلك، فإن كل شيء يخالفها فهو مرفوض! ليت شعري أكان أقوال الرازي والشاطبي ردة فعل هي الأخرى!!
لقد تضافرت جهود كثيرة حاولت أن تعمق هذه الفكرة وتمثل لها، فقد جعل الإمام محمد عبده السورة وحدة متناسقة، وهذا من الأسس التي قام عليها منهجه في التفسير. وقد تواطأت أقوال كثير من العلماء على هذا الأمر فيما بعد، منهم: عبد الحميد الفراهي، ورشيد رضا، وأحمد أحمد بدوي، والمراغي، ومحمد محمد المدني، ومحمد عبد الله دراز الذي كان أقرب ما يكون إلى منهج البحث وطبيعته، ومحمد حجازي، ومحمد المبارك، وعبد المتعال الصعيدي، على تفاوت بينهم ... وكان سيد قطب - رحمه الله - أكثرهم عناية بالوحدة الموضوعية في سور القرآن الكريم من حيث شمولية التطبيق. ولا تعدو بعض هذه الجهود أكثر من كونها اهتمامات جزئية، وكان الذي أعوزهم هو ما أعوز المتقدمين؛ التطبيق العملي في تفسير سور القرآن على ضوء وحدتها الموضوعية. إضافة إلى أن المتأخرين لم تتبلور لديهم منهجية شمولية في البحث في الوحدة الموضوعية في سور القرآن. وإنك لترى البون الشاسع في كتاباتهم، والمنهجية المضطربة التي تسود تلك الكتابات في تقريرهم لموضوع السورة الواحدة!
أما تفسير المنار، فلم يظهر فيه هذا المسلك، ولم تفسر فيه سور القرآن على ضوء موضوعها بوجه شمولي. ولئن كانت قضية الإعجاز هي التي هيمنت على البحث، وعلى اهتمامات العلماء قديما، فلم يخصصوا السورة باهتمامات مستقلة، فإن قضية الإصلاح هي التي هيمنت على الأستاذ الإمام والشيخ رشيد رضا في تفسير المنار، فلم تأخذ السورة حظها من البحث العلمي المنهجي الموضوعي.
وكتب المعلم الهندي عبد الحميد الفراهي (ت 1930) تفسيرا للقرآن سمّاه نظام القرآن (2)
(1) فهد الرومي؛ منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير (1414 هـ) ، مؤسسة الرسالة، بيروت، ص 225.
(2) هو ليس تفسيرا كاملا للقرآن، بل لبعض السور فقط، وتبلغ بضع عشرة سورة.