السورة بموضوعها العام، بل اكتفى بذكر الصلة بين آياتها، فكانت صلات موضعية جزئية متفرقة، وشغلته الأغراض الفنية والبيانية عن تقرير منهج تأصيلي في ذلك، فلو اقترنت هذه الصلات الموضعية بين الآيات بالموضوع الأساسي، لكان البرهان البقاعي قد قدم خطوة منهجية متقدمة في التفسير الموضوعي لسور القرآن الكريم.
-ثم جاء الإمام جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (ت: 911 هـ) فعرض موقف العلماء من قضية أساسية في وحدة الموضوع في السورة، وهي قضية المناسبات في القرآن عامة، وبين آيات السورة الواحدة على وجه الخصوص، وبيّن أهمية البحث فيها والفائدة المرجوّة منها، وهي: جعل أجزاء الكلام بعضها آخذ بأعناق بعض، فيقوى بذلك الارتباط، ويصير التأليف حاله حال البناء المحكم المتلائم الأجزاء (1) .
غير أن هذه الأهمية التي أولاها السيوطي للمناسبات يتركز فيها الهدف في الغالب على كونها قضية لها دورها في إعجاز القرآن من حيث نظمه وأسلوبه، لا أن ذلك الإعجاز متحقق بالوحدة الموضوعية في سور القرآن. وقد نقل السيوطي القاعدة التي ذكرها شيخ البقاعي، ولم تظهر في جهوده التفسيرية آثار للوحدة الموضوعية في سور القرآن الكريم.
إن هذه الاهتمامات والجهود لم يكن لها صدى واسع أو رواج كبير عند العلماء والمفسرين الذين صرحوا بهذا الكلام، مما دفع بعض المحدثين إلى إنكار كل الجهود السابقة في هذا المضمار، ولذلك يمكننا أن نقرر إن هذه الفكرة لم تتضح أو تطبق إلا في هذا العصر.
وبعد هذا كله، ندرك أن القول بالوحدة الموضوعية في السورة لم يأت من أصحاب المدرسة الحديثة في التفسير كردة فعل على مزاعم المستشرقين الذين حاولوا أن يطعنوا في نظام تأليف السورة القرآنية كما ذكر د. الصعيدي (2) . وذكره أيضا د. فهد الرومي في عرض حديثه عن موقف النافين والمثبتين للوحدة الموضوعية، حيث قال:"وقف رجال المدرسة العقلية على هذين السبيلين، ورأوا - وهم في مواجهة المستشرقين الذين حاولوا أن يلجوا من هذا المدخل إلى الطعن في القرآن - أن يغلقوا عليهم هذا المنفذ، ويبطلوا كيدهم، ورأوا أيضا أن السبيل إلى ذلك لا يكون إلا بنفي القول الثاني - قول النافين - والأخذ بالقول الأول - قول المثبتين - وإثبات الوحدة"
(1) جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، الإتقان في علوم القرآن (1978) مطبعة الحلبي، مصر، 2/ 108.
(2) انظر: عبد المتعال الصعيدي، النظم الفني في القرآن (بلا تاريخ) ، مكتبة الآداب، المطبعة النموذجية، مصر، ص 3 - 4.