هذا شأنه مع الحق دوما، ولا تقلق أيها الداعي إلى منهج الله من سخرية المتفرنجين واستهزائهم، فإنها سنة الله تعالى في الخلق.
وهكذا نولج القرآن في عقول المشركين، فإنهم يسمعونه ويفهمونه إذ هو من كلامهم، ويدركون خصائصه؛ ولكنه لا يستقر في عقولهم استقرار تصديق به، بل هم مكذبون به:
{كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ. لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ} [12 - 13] .
وبهذا السلوك تقوم الحجة عليهم بتبليغ القرآن إليهم، ويعاد إسماعهم إياه المرّة بعد المرّة لتقوم الحجة (1) ، فليحذروا أن يصيبهم ما أصاب الذين من قبلهم.
ويبيّن القرآن الكريم استحالة إيمانهم بأن لو فتح الله تعالى عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يصعدون لاستكبروا وشككوا في ذلك الفعل الذي يباشرون، ولقالوا كلمة الكفر:
{وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ. لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ} [14 - 15] .
كل ذلك من أجل إطلاق العنان للشهوة والهوى، إنها النفس الأمّارة التي إن لم تكبح بالعقل والإرادة ضلت وأضلت، وهامت على وجهها، ومشت على رأسها، وانعكست كل موازينها؛ فترى الظلام وإن كانت الشمس ليس دونها سحاب. أي وصف أبلغ من هذا الذي وصفهم به القرآن في هذه الآية التي قررت أنهم مستعدون لإنكار حواسهم: إنكار أبصارهم وإدراكهم. هذه هي طبيعة الكفر والباطل، إن الكفر عناد، وليس نقصا في الأدلة، ولا شكًّا في البراهين والحجج.
لقد كان السياق في المرحلة الأولى يتحدث عن القرآن الذي يعدّ آخر رسالة سماوية يتفضل الله بها على عموم الخلق؛ ليكون المنهج الصالح الذي تقيم البشرية عليه حياتها ونظامها. وكان يتحدث - أيضا - عن أهمية هذا المنهج في هذه الفترة من حياتها وعمرها. وهناك شيء يدعو للسؤال، وهو: إن حديث القرآن عن الخلق في المرحلة الثانية من السورة الكريمة قد سبق بحديثه
(1) ابن عاشور، التحرير والتنوير، مرجع سابق، جـ 14 ص 40.