فهرس الكتاب

الصفحة 156 من 166

{وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ. لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [6 - 7] .

إنه إعراض صارخ عن منهج الله! وكيف يكون هذا الذي جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - من عند الله سبب جنونه! أي جنون هذا وأي استكبار! كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا. لقد وجّه القوم محور الحديث إلى قضايا أخرى جانبية بالنسبة إلى طبيعة المواجهة بينهم وبين محمد - صلى الله عليه وسلم -. إن هذا الكتاب ما جاء إلا لسعادتكم وصلاح أمركم، أتتركونه، ثم تطالبونه بإحضار الملائكة لكم، ولماذا تحضر؟ لتصدق محمدا!! هب أن الملائكة حضرت، فهل سيؤمنون؟! كلا، إنهم لأن يطلبوا دليلا يكون فيه تصديق لخصمهم، أو طريقا لهم إلى الإيمان والهداية. وليس للرسول من قدرة على إلزامهم بالإيمان أو حملهم على الحق، إن وظيفته مقصورة على التبليغ، فهو مبلّغ عن الله دينه ورسالته، ويدعو إلى ذلك بالحكمة والموعظة الحسنة. ومطلب القوم هذا حلقة من حلقات التشويش، يهدفون منها إلى إرباك الحق وابتغاء عثرته، وتيئيس الناس منه، وإعدام أثره في قلوبهم. ما كان للملائكة أن تنزل وفق رغبة بشر، إنما هو الله سبحانه الذي ينزل الملائكة بالحق، تنزل لإحقاق الحق، وحسم المعركة لصالحه، أفيستعجل هؤلاء هلاكهم؟! إنهم إذن لا يمهلون، بل تتحقق فيهم سنة الله التي لا تحابي أحدا:

{مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ} [8] .

وسيبقى كتاب الله ودينه وشريعته قائمة، ولن يقدر أحد مهما بلغ من القوة والجبروت أن يعدم أثر هذا المنهج، أو يطفئ نوره. وليعتبر أهل الجحود والاستكبار مما وقع للسابقين من قبلهم، كم من محاولة جرت لاغتيال هذا الحق وأهله ... كثيرون هم الأعداء الذين بذلوا أقصى ما في وسعهم للقضاء على معالم هذا المنهج، وانظر الآن إلى ما يتفوّه به الماكرون من وصف للحق وأهله بالتخلف والرجعية، والنقص والخرافة، والعجز والتبعية ... ومهما كان، فإن الله سيحفظ دينه ورسالته، ومن ثَمَّ يحفظ الإنسان والإنسانية من الانحراف والطيش:

{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [9] .

لعناية وحكمة عظيمة، وهذا من فضل الله على الإنسان، خلقه فسوّاه فعدّله، ثم كرّمه بالرسالة والمرسلين رحمة به، ورعاية له، وحرصا عليه، ولكنه قابل كل هذا الفضل والإنعام بالجحود والاستكبار، فانظر ما يقول الحق تعالى فيهم:

{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ. وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [10 - 11] .

فلا تقلق يا محمد إن كذّبك أهل مكة والعتاة فيها، وأعرضوا عن منهج الله تعالى، فإن الباطل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت