{تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِيْنٍ} [1] .
وهو انتصار عظيم لهذا الكتاب ولهذا المنهج، فهو الكتاب السماوي الذي تَنَزّل به الروح الأمين، وهو قرآن مبين يتلى ويقرأ على مسامع الناس فيأسر قلوبهم، ويخطف أسماعهم، إلا من أصمّ وأبى، وعن الحق ضلّ واستعلى، كأولئك الطغاة الذين لا تقرعهم إلا مصائب الدهر أو قوارع الزمان:
{رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِيْنَ كَفَرُوْا لَوْ كَانُوْا مُسْلِمِيْنَ} [2]
لأن هذا الكتاب من ميزاته اختراق كل الحواجز إلى القلوب، والنفاذ عبر كل الحجب والأغشية إلى العقول، ولكن حين يقتل الهوى أصحابه، ويذبح ما بقي عندهم من روح الفطرة؛ ستكون نتيجة كفرهم وطغيانهم الندم على هجران تعاليم هذا المنهج، ولات حين مندم.
وماذا يملك الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلا أن يتركهم، ويهمل شأنهم، فأولئك قوم قد طغت أهواؤهم على قلوبهم، واستولى الكبر والعناد على عقولهم، فسوف يعلمون عاقبة الإعراض والاستكبار عن منهج الله تعالى وكتابه:
{ذَرْهُمْ يَأْكُلُوْا وَيَتَمَتَّعُوْا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} [3]
فحياتهم التي يحيون فارغة المعنى والمضمون، وعديمة القيمة والمحتوى، ومشتتة الأهداف والهموم التي لا تصل إلى مستوى الإنسان في إنسانيته الكريمة، فهي أشبه ما تكون بحياة العجماوات في أكلها وتمتعها، لكنهم افترقوا عنها في تزيين أمرهم بالوهم وطول الأمل والخيال، والباطل والفجور والمحال، فستحقق فيهم سنة الله التي لا تتخلف في الخلق:
{وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ. مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ} [4 - 5] .
إنها سنة الله التي لا خلف لها، تتحقق في موعدها في كل أمة جاءها الحق فناصبته العداء. إن البقاء والأحقية في الوجود ليست إلا لمنهج الله الذي ارتضاه لعباده، وإن هذا الكتاب الذي أعجزهم الإتيان بمثله حريٌّ بأن يسلموا له، ويتبعوا ما جاء به من هدى ونظام حياة.
ثم ينتقل السياق برفق وأناة إلى عرض قول تفوّهت به ألسنة الطغاة في مكة بهتانا وزورا، ويتفوّه به كل طاغية في كل عصر ومصر حين يواجه بالحق الأبلج، والمنطق الواضح، لقد أيقن هؤلاء أن التعرض لهذا الكتاب بأدنى شبهة فضيحة لهم، وأي فضيحة! فانتقلوا بعد ذلك إلى التعرض لهذا النبي والطعن فيه، ولم يكونوا معه كذلك من قبل، بل كان عندهم الصادق الأمين، العاقل الرشيد، ولكن رأوا فيه الهدف القريب المنال، هكذا سولت لهم أنفسهم: