ويقول المنتسبون إليه: لا يمكننا أن نرجع إلى الوراء، نحن نتطلع إلى الأمام، حيث التقدم والحضارة!!
ولا يتركون للمسلم فرصة كي يجيب عن هذه الأسئلة على سفاهتها، فتراهم هم يقررون الجواب الذي يعجبهم، ويقولون: الإسلام لا يقبل الحداثة، وأن عليه إما أن يعتمد تغييرا جذريا فيه، أو أن يتخلى عن مسايرة الحياة (1) .
ومثل هذه الافتراءات التي يطلقها أعداء الدين وأدعياؤه ليست إلا من المكر بهذا الدين، لأنهم لا يريدون أي جواب عليها، إنها لم تطرح لذلك، بل لتكون وسيلة إلى صدّ الناس عن الإسلام، وزعزعة ثقة الناس به؛ وبذلك يتم لهم ما يريدون من توجيه الناس وجهة بعيدة عن منهج الله سبحانه وتعالى. إنها حلقة مبرمجة من تخطيط عميق وخطير لإطفاء نور الله تعالى في حياة الناس، وإعدام منهجه على الأرض!
لقد حذر القرآن الكريم من فعل السيئات، وعدّ فعلها من قبيل المكر، وهدد الذين يفعلونها بالعذاب الشديد؛ لأنها توقع الناس في الهلاك، وتغريهم وتشجعهم على الابتعاد عن دين الفطرة، مما يؤدي إلى فساد الحياة الإنسانية واضطرابها. قال الله تعالى:
{وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ} [فاطر: 10] .
لقد جاءت الآية في مقابل ذكر العمل الصالح الذي يرفعه الله ويعلي شأنه وقدره. والظاهر أن وصف فعل السيئات بالمكر لما أن فاعلها يهدف من ورائها إلى اصطياد الكثيرين والإيقاع بهم في حبائلها وبراثنها. وقد أورد القرآن المكر بصيغة الفعل المضارع، للدلالة على استمرارية مكرهم وتجدده. وجمع السيئات للدلالة على تنوع مكرهم (2) . وهذا يؤكد على وجود مخططين ينوّعون من أساليبهم في التضليل، ويتفننون في تزيين الباطل والمعاصي للناس. لكن ليس فعل كل سيئة مكرا.
إن فعل السيئات وكل ما فيه معصية الله سبحانه - من قبل الملأ - هو في الحقيقة مكر بالإنسان والإنسانية، وتضليل لها عن اتباع منهج الله، وإغواء لها؛ ولذلك، كانت إشاعة المعاصي والرذائل
(1) زقزوق، التبشير، ص 97.
(2) انظر: ابن عاشور، التحرير والتنوير (22/ 274) .