والخديعة؛ لأن العلاقات الاجتماعية إذا فسدت أصبحت القطيعة والاضطراب والأنانية من المعالم الأساسية لحياة الناس، والمكر من هذه الناحية يقطع روابط التعاون بين الأمم والشعوب؛ ولذلك حذر القرآن منه، وبيّن أن المكر السيّئ لا يحيق إلا بأهله. قال ابن عاشور مبيّنا أثر المكر على العلاقات الإنسانية:"... ومثل هذه المعاملات -الممزوجة بالمكر - الضارة تؤول إلى ارتفاع ثقة الناس بعضهم ببعض، والله بنى نظام هذا العالم على تعاون الناس بعضهم مع بعض، لأن الإنسان مدني بالطبع، فإذا لم يأمن أفراد الإنسان بعضهم بعضا، تنكر بعضهم لبعض، وتبادروا الإضرار والإهلاك ليفوز كل واحد بكيد الآخر قبل أن يقع فيه، فيفضي ذلك إلى فساد كبير في العالم، والله لا يحب الفساد، ولا ضر عبيده إلا حيث تأذن شرائعه بشيء، ولهذا قيل في المثل: «وما ظالم إلا سيبلى بظالم» . وقال الشاعر (1) :"
لكل شيء آفة من جنسه ÷ حتى الحديد سطا عليه المبرد
وقد بيّن القرآن الكريم كذلك ما فعله إخوة يوسف بيوسف - عليه السلام - وعدّه القرآن من المكر المحظور الذي يستوجب التوبة والاستغفار، وكان أن مكروا بيوسف - عليه السلام - من أجل أن ينالوا الحظوة والزلفى عند أبيهم، وكان الدافع وراءه: الغيرة والحسد، وقد أطلع الله نبيّه محمدا - صلى الله عليه وسلم - على ذلك ليجد فيه سلواه وأنسه، وليتحقق للمؤمنين كذلك العبرة والموعظة إذا ما اكتووا بنار الحسد. قال الله سبحانه: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ} [يوسف: 102] .
وفي الأثر تحذير من أن يمكر المسلم لأخيه المسلم. فقد أخرج الترمذي بسند ضعيف عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قوله:
«مَلْعُوْنٌ مَنْ ضَارَّ مُؤْمِنًا أَوْ مَكَرَ بِهِ» (2) .
ورد في القرآن الكريم مشهد واحد صوّر إحدى المواجهات بين الحق والباطل، وبيّن كيف انهزم الباطل وفقد صوابه، فأصبح يهذي بما لايدري. كان ذلك مشهد مواجهة بين نبي الله موسى - عليه السلام - وبين فرعون الطاغية ومن معه من السحرة. فقد حشدوا كل ما يستطيعون من قوة
(1) ابن عاشور، التحرير والتنوير، (22/ 335) .
(2) هذا الحديث ضعيف في نسبته إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - وإن كان معناه صحيحا متفقا مع مفهوم الآيات القرآنية. انظر: الألباني، ضعيف سنن الترمذي [1991] ، المكتب الإسلامي، بيروت، ص 219.