فهرس الكتاب

الصفحة 79 من 166

وعدّه، وحشروا الناس في يوم الزينة ضحى؛ ليقضي الله أمرا كان مفعولا. وكانت النتيجة أن السحر قد انقلب على الساحر، فظهر أمر الله، وبطل ما كانوا يمكرون، وظهر التلفيق والتزوير والكذب أمام الناس على حقيقته، وتبيّن للناس المحق من المبطل، وتجرّد الباطل من كل ثوب؛ ولما كان ذلك كذلك، سارع السحرة - وهم أدرى الناس بحقيقة ما جاء به موسى - عليه السلام - إلى الإيمان بالله والاستسلام لأمره، واتباع ما جاء به نبيّه؛ يقول الله - سبحانه:

{وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ. فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ. وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ. قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ. رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ. قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 117 - 123] .

وقام فرعون ليحفظ ماء وجهه، ويدفع الحرج عن نفسه، قام يذرو الرماد في أعين الناس حتى لا يروا الحق ويبصروا الحقيقة، فصوّر لهم أن موسى والسحرة قد اتفقوا على هذا الأمر ودبّروه في الخفاء، وبيّن للناس أنهم هم المقصودون بهذا المكر والتدبير، وأن ضرره راجع عليهم، ولذلك يلزمهم القيام من أجل قضيتهم! لقد بيّن للناس أن موسى ومن آمن معه قد عزموا على إخراجهم من مدينتهم، ولكن ما علاقة الإخراج بموضوع القصة، إذ كيف يستطيع موسى ومن معه أن يخرجوا الناس من مدينتهم التي يمتلك أهلها الجيوش الجرّارة، والعتاد الكثير، والمنعة والقوة؟! إن فرعون - كما ترى - يريد أن يؤلب الرأي العام ضد موسى ومن آمن معه ويوحّد الصف ضدّهم؛ ولذلك، عليه أن يلجأ إلى أية وسيلة يكون الناس فيها عونا له ونصيرا، ولما كانت بلادهم عزيزة عليهم، إذ توفّرت لهم فيها عناصر الرخاء والنعيم والرفاهية، كما وصفت في القرآن على لسان فرعون حين تحدّث عنها ليثبت خيريته على موسى - عليه السلام - يقول تعالى:

{وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [الزخرف: 51] .

لما كانت البلاد بهذا الوصف، وعلم فرعون حبّ شعبه لها، استغلّها وأثارها، لتكون وتصوّر على أنها المشكلة الحقيقية بينهم وبين موسى ومن آمن معه! رغم بعدها كل البعد عن موضوع المواجهة حقيقتها.

وكذلك يفعل فراعنة العصر والطغاة في كل مصر، طنوا وصوّروا للناس أن المؤمنين يمثلون دور

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت