هذا، وقد عمد بعض المفسرين في أثناء تفسيرهم لسور القرآن الكريم إلى أن يورد آيات عديدة في موضوع الآية المفسَّرة - وهو من قبيل تفسير القرآن بالقرآن - ليكون هذا من قبيل التفسير الموضوعي.
يقول د. صلاح الخالدي: كان سيد قطب - رحمه الله - يستحضر الآيات المشابهة للآية أو للآيات التي يفسرها، ويفسر تلك الآيات المتشابهة، ويستخرج حقائقها ودلالاتها. إن هذه الوقفات تصلح أمثلة للتفسير الموضوعي في الظلال، فضلا عن اعتبارها من باب تفسير القرآن بالقرآن، وهذا فقط في المواقف الطويلة (1) . ويخيّل إليّ أن هناك فرقا بين تفسير القرآن بالقرآن وبين النفسير الموضوعي للقرآن، فتفسير القرآن بالقرآن لا تخرج أهدافه عن نظاق الآية أو الآيات المفسرة لتوضيح وتأييد معنى الآية بالآية، وهو غير التفسير الموضوعي قطعا، لافتقاره إلى منهجية شمولية، فليس كل من جمع الآيات وفسّرها - في أي مقام كان - يكون تفسيره تفسيرا موضوعيا لا في المواقف الطويلة ولا في المواقف القصيرة.
والغريب كذلك أن يقال أن الشيخ محمد أمين الشنقيطي - رحمه الله - صاحب تفسير أضواء البيان قد التزم بالتفسير الموضوعي في كتابه هذا لكونه يفسر القرآن بالقرآن (2) .
إن النظر في الآيات المكية والآيات المدنية في ذلك الموضوع أمر في غاية الأهمية؛ بسبب التدرج القرآني في معالجته لبعض الموضوعات، خاصة تلك التي لها تعلق بالأحكام أو الحلال والحرام، فالترتيب على نظاق دراسة آيات الأحكام، وما تدرج الشارع في الأمر به، أو النهي عنه، لا تصحّ الدراسة بدونه. بل حتى موضوعات العقيدة، قد عرضت في القرآن المكي بطريقة وأسلوب مغاير لطريقة عرضها في القرآن المدني (3) .
فمعرفة المكي والمدني، وملاحظة الملابسات التي حفت بنزول الآيات على حسب الوقائع والأحداث تؤدي إلى معرفة منهج القرآن في طرح موضوعاته المتعددة، سواء موضوعات العقيدة، أو الأخلاق، أو التشريع بوجه عام، فتحتذى في أعمالنا ومناهجنا التربوية، وأساليبنا في الدعوة إلى
(1) صلاح عبد الفتاح الخالدي: المنهج الحركي في ظلال القرآن (1406) ، دار المنارة، جدة، ص 264.
(2) دراسات في التفسير الموضوعي، مرجع سابق، ص 72.
(3) لقد تجلّت لي هذه القضية في أطروحة الماجستير التي قدمتها لقسم أصول الدين بالجامعة الأردنية سنة 1987، بعنوان: عقيدة البعث وكيف تناولها القرآن الكريم، وكان أن قمت باستجلاء الفروق بين آيات القرآن المكي وآيات القرآن المدني في عرض هذه العقيدة. وليست هذه الفروق كامنة في الأسلوب وطريقة العرض فحسب، بل في صلب الموضوع كذلك.