وبهدف ضبط منهج البحث في التفسير الموضوعي، أقول: لقد عدّ بعض الباحثين ما قدمته د. عائشة عبد الرحمن في كتابها"التفسير البياني للقرآن الكريم"من قبيل التفسير الموضوعي، نظرا لتشابه ما قدمته في ذلك الكتاب مع طريقة الجمع الموضوعي لآيات القرآن بهدف تفسيرها، وهذا - في رأيي - خلط بين دراسة مفردة قرآنية وملاحظة الاستعمال القرآني لها في كل الآيات، وبين دراسة آيات تحقق موضوعا قرآنيا (1) . إننا لا نستطيع الزعم أن تفسير بنت الشاطئ تفسير موضوعي، إنه تفسير تقليدي يتجه إلى فهم إعجاز القرآن البياني، وتذوّق أسراره البلاغية على هدي التتبع الدقيق لمعجم ألفاظه، والتدبر الواعي لنظمه الباهر، والإصغاء المتأمل إلى إيحاء التعبير في القرآن بعيدا عن شطط التأويل، واعتساف الملحظ. فنحن مع تفسير تقليدي للسور ذات الموضوع الواحد لا تجمع فيه الأستاذة ما يتعرض لهذا الموضوع، ويدور حوله من القرآن، وإنما تجمع ما يتصل بألفظ الآية والسورة من جميع القرآن على نحو اشتقاقي، تهتدي من خلاله، وبمعاونة سياق الآية إلى المعنى البياني والأدبي لهذا اللفظ، حتى لكأنما الموضوعي قد تحول على يد الأستاذة إلى اللفظ الواحد، تحشد له طاقاتها، وتضع في خدمته معاجم العربية، وكتب التفسير السابقة، فلا سبيل - في نظرها - إلى دراسة أي نص في لغة ما دون فقه لألفاظه في لغته، ثم يكون للنص بعد ذلك أن يحدد لكل لفظ دلالته الخاصة من شتى الدلالات المعاجمية، أو يضيف إليها ملحظا ينفرد به (2) .
وبالرغم من الفوائد التي يحققها هذا المسلك، أعني: التقصي الدلالي للألفاظ والمفردات المستعملة في التعبير عن ذلك الموضوع، إلا أن الدخول به - بهذا التوسع - إلى التفسير الموضوعي سيشعب البحث بكثرة التفاصيل على حساب الموضوع المدروس، ويكفينا أن ندرك المعنى الذي شاع في لغة العرب، واستعملوه في حياتهم، وإن توسعنا في حصر دلالات الألفاظ، فلا يشغلنا ذلك عن أهداف وغايات الدراسة التفسيرية لذلك الموضوع، فماذا نريد أكثر من معرفة مدلول التقوى - مثلا - الذي دفع السلف الصالح لأن يسارع إلى التحلي بكل معانيها، وترجمتها في المسلك العملي في السر والعلانية!! ود. بنت الشاطئ بمنهجها هذا تصرح بضرورة نقل التفسير إلى مجال الدراسة الأدبية الخالصة، وتفترض أن اللغات الأخرى تشبه لغة القرآن في ثراء ألفاظها الدلالية!! وما أظن لغة من اللغات حظيت بالكمال غير لغة القرآن الكريم.
(1) أحمد جمال العمري، دراسات في التفسير الموضوعي للقصص القرآني (1986) ، مكتبة الخانجي، القاهرة، ص 72.
(2) شريف، اتجاهات التفسير، مرجع سابق، ص 598 - 599.