فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 166

وسلوكا. وكل تصنيف لآيات القرآن ينبغي أن تتركز العناية فيه على الإنسان وقضاياه وواقعه من حيث كونه خليفة في هذا الكون. ذلك الإنسان الفرد، وذلك الإنسان الجماعة الذي يمثل جزءا لا يتجزّأ من جسم هذه الأمة، وربما لا تكون المشكلة في تصنيف الموضوعات، ولكن في اختيار هذه الموضوعات التي تمكن من نهوض فعلي لهذا الإنسان؛ لأن هذا - كما قلنا - يحتاج إلى دراسة محبرية ميدانية لهذا الإنسان الذي هو محور الحياة. ويمكن أن تتوضح فكرة تصنيف موضوعات القرآن من خلال العناية بالآيات التي تبرز تصور هذا الإنسان للألوهية، وتصوره للكون، وتصوره للحياة، فتصوره للألوهية أو للاعتقاد الصحيح يشمل أسس الإيمان وأركانه، وما يستلزم ذلك من ترك كل مظاهر الشرك والوثنية، وإخلاص التوجّه إلى الله تعالى اعتقادا وعبادة، قولا وعملا. ويشمل كذلك كل المعاني التي تغذي هذه العقيدة وتجعلها حيّة في نفوس أصحابها.

وتصوّره الصحيح لهذا الوجود يشمل حقيقة هذا الكون، وحكمة خلقه وتسخير ما فيه لصالح الإنسان، ودور هذا الإنسان فيه، ونهاية هذا الكون. ويشمل كذلك كل ما من شأنه أن يحقق رسالة الإنسان من قيام بواجب الخلافة، وتحقيق لمعنى العبودية بأوسع معانيها.

وتصوره الصحيح للحياة على أساس الهدي القرآني يشمل كل ما جاء به القرآن من نظم وتشريعات، وأنظمة وقوانين لتنظم حياة الناس في مختلف المجالات، وتشمل كذلك ما عرضه القرآن عن هذا الإنسان من أول خلقه إلى مجيء الرسالة الخاتمة، والسنن الإلهية في هذه الحياة، ثم مآل هذه الحياة ونهايتها.

ولا ينفك الإنسان مذ خلقه الله سبحانه عن عقيدة ومبدأ يحكم أفعاله وتصوراته، ومن هنا لا يمكن أن نفصل أي نشاط للإنسان عن تصوّره الاعتقادي. فالاعتقاد - بمعنى آخر - ينبثق عنه تصور للكون والحياة، بل والإنسان كذلك. والاعتقاد الذي هو جملة أركان يؤمن بها الإنسان ينبثق عنه أعمال وأقوال ذلك الإنسان، فهو نظام يحكم كل ما يصدر عنه. والاعتقاد أركان عيبية تحصلت له بالوحي، وهو علم يصدر الإنسان عنه في تحصيل العلم التسخيري - الكسبي - في هذا الكون. وبالنسبة إلى المسلم، فإن اعتقاده يتفرع عنه الإيمان الفعلي بأركان الإسلام والعمل بمقتضاها. ويدخل فيه كذلك العبادات والمعاملات بأصنافها. وتصور المسلم للكون يتفرع عن اعتقاده، فالاعتقاد الفعلي هو الإيمان والعلم والعمل. ولا بدّ لأي تصنيف لموضوعات القرآن من مراعاة هذا الأمر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت