فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 166

وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا. يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا [النساء: 26 - 28] .

فمقاصد حملات المكر معلومة بيّنة فلا يعذر إنسان يجهلها أو تجاهلها، فلقد أحاط القرآن الناس علما بما يريده المضللون الماكرون منهم فغير معذور أمام الله تعالى هذا الذي يستجيب لهم، أو ينخرط في تيارهم بعلم أو بغير علم. إن هذه الحملة التضليلية التي يشنّها الماكرون على الإنسان والإنسانية، ووجّهت بحملة إعلامية قرآنية مكثفة كشفت عن أهدافهم وغاياتهم، وفضحت تدابيرهم ومخططاتهم، وحذرت الناس منهم أيما تحذير، وأمرت باليقظة والانتباه، وعدم الغفلة، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون!

لقد حدثنا القرآن الكريم أن بني إسرائيل كانوا يكذبون فريقا من الأنبياء ويقتلون فريقا على تواطؤ منهم. وكان التهديد بالقتل والنفي من الأرض دعوات تطلق لمواجهة الحق، يطلقها الملأ منهم. ولم تكن بقية الأقوام بأحسن حالا مع منهج الله وشريعته، بل كانت أشد خبثا وأعظم مكرا، كانت حريصة دوما على استئصال دين الله باغتيال حاملي هذا المنهج والداعين إليه. ابتدأ ذلك بأولي العزم من الرسل: نوح، وعيسى، ومحمد، إضافة إلى نبي الله صالح - صلوات الله عليهم - ومؤمن آل فرعون. إن هؤلاء دون غيرهم الذين حاول أهل الكفر والإلحاد اغتيالهم بأساليب خفية ماكرة، أما غيرهم فقد توفرت لهم أحوال معينة منعت من قتلهم بأساليب ماكرة، أو أنهم فقدوا الأسباب المادية، فلم يكن بينهم وبين أقوامهم حائل يمنع من إعلان قتلهم كما فعل فرعون مع موسى - عليه السلام -.

أما نوح - عليه السلام - فقد بيّن القرآن المريم موقف قومه منه، ومواجهتهم له بعبارة وجيزة دلّت على مدى حنقهم على نوح ومن آمن معه، وسخطهم عليهم، فقال: {وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا} [نوح: 22] .

ومعنى الآية:"أي مكروا بنوح والذين آمنوا معه بإضمار الكيد لهم حتى يقعوا في الضر. قيل: كانوا يدبرون الحيلة على قتل نوح، وتحريش الناس على أذاه وأذى اتباعه" (1) . وهذا معنى له ما يسوّغه إذا ما قورن بما وقع للأنبياء من بعده.

(1) ابن عاشور، التحرير والتنوير، مرجع سابق (29/ 207) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت