فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 166

لقد لبث نوح - عليه السلام - في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، وكانوا يظهرون له ما في نفوسهم من شبه واعتراضات ومطالب تعجيزية؛ يشغلونه بها، ويصرفون الناس عنه، وفي الوقت نفسه يعملون بسرّ وخفاء لإلحاق الضرر البالغ به وبدعوته، فهو أول رسول جاء لتغيير أول شرك ظهر على وجه الأرض، وهي أول مواجهة تاريخية يذكرها القرآن بدا فيها التخطيط السري ضد دين الله ومنهجه على الأرض.

وقد وصف مكرهم بصيغة المبالغة {كُبَّارً} للدلالة على إيغالهم في التخطيط لإيقاع الضرر بنوح أو إهلاكه، لكن السحر قد انقلب على الساحر، وحاق بهم عاقبة مكرهم، وذاقوا العذاب الأليم جزاء بما كانوا يمكرون. ويعرف من هذا أن المكر بدأ مع دعوة الله على وجه الأرض، وهو أسلوب عنيد، فبدل أن يفكر الملأ بالحق الذي جاءهم، والنور الذي أرسل إليهم - توجهوا إلى مخاصمة دين الحق والكيد لدعاته!!

وحين ندرك أن الآية وردت على لسان نوح - عليه السلام - نعلم يقينا أن الحق في يقظة مستمرة، وعلى علم بيّن بمخططات الماكرين المضلّلين، وهذا درس فيه عبرة بليغة لأهل الحق بأن لا يعتزلوا الحياة، وينشغلوا بمصالحهم الخاصة، ليتركوا الباطل يلهو ويعبث؛ فإن مردود ذلك كله راجع عليهم بالضرّ والأذى!

لقد تضرّع نوح إلى الله سبحانه يطلب منه الفرج بعد الشدّة والكرب وطول اللبث والمعاناة. ومدلول هذا من الناحية النفسية أن الإنسان في بعض الأحوال التي يواجه فيها أخطارا محققة، أو تبدو فيها الأيام أنها مكفهرّة عابسة ذوات ليال حالكة - هذا الإنسان قد تسيطر عليه الهموم فيعيش في وضع نفسي صعب، ولن يجد الأمن ولا السكينة إلا في ظل التضرع إلى الله تعالى والتّوجّه إليه بقلب سليم، وهذا من شأنه أن يقوي روحه، ويعطيه شحنة قوية من الصبر والعزيمة والثبات، بل والإصرار على المواجهة مع الباطل وأهله مهما كان ذلك صعبا؛ فإن الحق لا يستسلم ولا يخضع ولا ينبغي له شيء من ذلك.

وقد حدّث القرآن الكريم عما وقع لنبي آخر من مكر وخديعة بهدف اغتياله واغتيال ما جاء به من الحق المؤيّد من عند الله تعالى، إنه نبي الله صالح - عليه السلام -. قال تعالى:

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ. قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ. قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ. وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت