بهذا المنهج، القائمين عند حدوده، لا لشيء إلا لإضعاف أثر وقيمة هذا المنهج في حياة الناس، وذلك بإفساده، وإفساد أهله، والتضييق عليهم.
يقول سبحانه: {وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا} [يونس: 21] . والمكر في آيات الله تعالى يعني التشويش عليها، ونسبها إلى غير مسببها. ومحاولة تفسير ما يحدث على الأرض تفسيرا لا يؤدي إلى الاعتراف له بالوجود والتصرف في ملكه الذي خلق، فإن أصيب هؤلاء بقحط أو جدب غضبا من الله، قالوا: ظواهر طبيعية. وإن أصابهم خير ونعمة قالوا: بذكائنا وعلمنا. وإن أصابهم مطر أو طوفان، قالوا: أحوال جوية سيئة لم تشهدها المنطقة من قبل. وإن اهتزت بهم الأرض أو زلزلت أو تفجرت حممها البركانية، قالوا: طبائع أرضية جغرافية. وإن انتشرت فيهم الأمراض التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا، قالوا:"فيروسات خطيرة"... وهكذا، دون أن ينسب إلى خالق هذا الكون ومدبر أمره أية قدرة أو فعل.
قال الطبري - رحمه الله - في معنى الآية:"وإذا رزقنا المشركين بالله فرجا بعد كرب، ورخاء بعد شدّة أصابتهم إذا لهم استهزاء وتكذيب بآيات الله" (1) .
وقال ابن عاشور: ومعنى مكرهم في الآيات أنهم يمكرون مكرا يتعلق بها، وذلك أنهم يوهمون أن آيات الله غير دالة على صدق الرسول، ويزعمون أنه لو أنزلت عليهم آية أخرى لآمنوا بها، وهم كاذبون في ذلك. إنما يكذبونه عنادا ومكابرة، وحفاظا على دينهم في الشرك (2) . وهذا القرآن أكبر آية، وأعظم معجزة جاءت إلى البشر، وقد توجهت إليه حملات مكرهم الخبيثة فلم تزد حقائقه إلا نصوعا.
ولقد طوّر الماكرون من أساليبهم في المكر لهذا الدين، وهذا الكتاب، وفعلوا ما لم يفعله المشركون الأوائل؛ فقد تعرضوا لهذا القرآن يطعنون في سوره وآياته، وبلاغته وأسلوبه، ونظمه وترتيبه، ومكّيّه ومدنيّه، ومفرداته وقراءاته، وقصصه وإعجازه ... وبذل الأساتيذ في دائرة المعارف البريطانية وتلاميذها والمتتلمذون عليها من المنتسبين لهذا الدين جهودا كبيرة للطعن في هذا الكتاب والتشويش عليه بأوهام وأغاليط استحى أبو جهل والوليد بن المغيرة من التصريح بها،
(1) أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، جامع بيان عن تأويل آي القرآن (1980) ، دار المعرفة، بيروت، الجزء الحادي عشر، ص 99.
(2) ابن عاشور، التحرير والتنوير، مرجع سابق (11/ 133) .