وقد استفحل خطر الاستشراق بحيث أصبح الموجّه للسياسات التعليمية في بعض دول العالم الإسلامي.
وليس هناك من وسيلة في المواجهة غير الاستمرار على صنع الفعل والحدث - كما هي سنة الحق - وجعل الخصم دوما في دائرة ردّة الفعل، ثم الثبات على الحق بكل عزيمة وإصرار، فإن الله إن اطلع على القلوب المخلصة، ورأى منها الصبر والصدق، فإنه سيكون عونا لها ونصيرا، وسيختار لها إحدى الحسنيين، وقد أعلن المؤمنون مع موسى - عليه السلام - الثبات في وجه فرعون مهما كانت النتيجة:
{قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ. وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ} [الأعراف: 125 - 126] .
{قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا. إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [طه: 72 - 73] .
وفي هذا درس وعبرة لأولئك الماكرين لينتهوا عمّا هم فيه من ظلم وعدوان، ومكر بالناس بإبعادهم عن هدي الله الذي جاءت به رسل الله تعالى، وليعلموا أنهم مهما بذلوا من جهود وأنفقوا من أموال، وأعدّوا من قوة، فإنهم لن يطفئوا نور الله تعالى.
كان شأن القرآن الكريم في القضايا التي طرحها لتكون محور المواجهة أن بيّن ما يلزم أهل الحق فعله، وما ينبغي لأهل الباطل تركه؛ وقد كان علاجه لكل القضايا التي طرحها حاسما حازما. والمكر داء وعداء فصّل القرآن علاجه، وجعل الماكرين على علم تامّ بأنهم مهما بذلوا من جهد فلن يتحقق لهم أملهم في القضاء على هذا النور الذي أرسل هداية للعالمين، وسلك القرآن معهم مسلك الناصح الأمين، والمرشد القويم. وبين - في منهجه الإصلاحي هذا - أن المعنيّ بهذا النصح والتوجيه المؤمنون قبل غيرهم، فهم الذين يتحتّم عليهم إبلاغ الآخرين بموقف القرآن. وحينما نقول"المؤمنون"فإن الدلالة القرآنية هي المقصودة بهذا المصطلح؛ إنهم أولئك الملتزمون بمنهج الله عن علم، لا عن تقليد وجهل، القائمون بواجب الأمانة، الساعون إلى النهضة والشهود