فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 166

ومن ناحية أخرى، فإن هذه الآية تدل على أن الدعوة الإسلامية في مكة مرّت بأحوال في غاية الصعوبة، وكان ذلك الملأ الشقي يمتلك وسائل الصدود والإعراض عن دين الله والمنهج الرباني، ويمتلك كذلك الوسائل المادية والإعلامية التي تمكنه من تزييف الحقائق وتزيين الباطل للناس، وجعل الحق موضع استهزاء وسخرية، هذا هو مكرهم. وقد شكّل إحدى المعوّقات المؤثرة على الدعوة الإسلامية في عهدها المكي، وسبب لها إزعاجا كبيرا في أول عهدها المدني. فالأوصاف التي أطلقوها ضد هذا الدين من كونه سحرا يفرق بين المرء وزوجه، وضد هذا النبي الذي وصفوه بأنه كاهن، وساحر، وشاعر، ومجنون. وضد أهل هذا الدين، حيث تعرّضوا للاستهزاء والسخرية والأذى والتعذيب - كل ذلك التزييف والتضليل الذي يضلل به الملأُ النَّاسَ مكرا اصطلى المؤمنون بناره ولهيبه. وها هو الملأ في عصرنا الحاضر يتّبع نفْسَ السنة، فيزيّن للناس كل فحش ورذيلة، وكل باطل ومنكر، ويسخر وسائل إعلامه لمسخ أخلاق الناس، وإلهائهم عن قضاياهم المصيرية، إنهم يفعلون معهم فعل المخادع، بل إن عملهم هذا يُعَدّ احتيالا وتمويها على الناس، وصرفا لهم عن التفكير أو الالتزام بهدي هذا الدين الذي ارتضاه الله لهم، بل فعلوا أكبر من ذلك؛ منعوا صوت الحق أن يصل إلى قلوب الناس، وتقمصوا هم ثوب الحق، وبرزوا به للناس بتلك الصورة المزرية!

ولا شك أن استجابة الناس لمثل هذا التوجيه مدعاة لأن تتحقق فيهم سنة الله سبحانه بالهلاك والدمار، والخسف والمسخ. وتفادى ذلك أمر ممكن، ميسور، وهو في مقدور الناس، ويتمّ باليقظة والحذر وعدم الغفلة، وتغليب شأن العقل والإرادة، والتمسك والالتزام بالعقيدة. فالمكر صفة فطر الناس على النشور منها، بل ومقاومتها والتحذير منها.

ويتبيّن من معنى الآية الكريمة كذلك أن الناس مستهدفون في أعزّ ما يملكون، بل في أخطر مقومات إنسانيتهم؛ إنهم مستهدفون في عقيدتهم وثقافتهم وأخلاقهم والقيم المثلى في حياتهم. هذه هي الميادين التي يريد أهل المكر اختراقها؛ ليعطلوا دورها في الحياة، ويعدموا أثرها في النفوس. لقد أراد الله تعالى للناس الحياة الكريمة من خلال تعاليم دينه الذي ارتضاه لهم، وحذرهم خطر العابثين الذين فقدوا معاني الإنسانية، وأرادوا للناس حياة البهيمية الجامحة بإطلاق العنان لهوى النفوس وشهواتها، وكبرياء العقول وجنونها، وقد جلّى الله سبحانه هذا المعنى بقوله - وهو أصدق القائلين: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت