فهرس الكتاب

الصفحة 158 من 166

عن المنهج ودستور الحياة بالنسبة لهذه الفترة من تاريخ البشرية. إن السورة الكريمة قد افتتحت بالحديث عن المنهج واختتمت بضرورة الصدع به؛ وذلك لأن حياة الخلق لا تصلح إلا به، ولا تستقيم إلا على هديه، ولتلك الأهمية، قدم في الذكر على الحديث عن الخلق، فهناك تهيئة واستعداد لكي تقوم البشرية بتلقي هذا المنهج بكل ما أوتيت من قوة. وكأن البشرية في هذه المرحلة قد ولدت على نور ببعثة محمد - صلى الله عليه وسلم -.

لقد افتتحت هذه المرحلة من السورة بالحديث عن العالم العلوي: عن السماء التي زينها الله تعالى بالنجوم، وسيرها وفق نظام منضبط، لا يتطرق إليه خلل، ولا يعتريه اضطراب، ومنع مردة الشياطين من العبث به أو اختراقه، وحجبهم عما يدور في الملأ الأعلى، فمن استرق السمع يجد له شهابا رصدا:

{وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ. وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ. إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ} [16 - 18] .

لقد حفظ الله تعالى العالم العلوي، وصانه عن شياطين الجن، فكان موضع ثقة للناس. وهذا الحفظ له أثر ليس بالهيّن، ولا بالقليل على عالم الأرض، وقد حدثت سورة الجن بهذا: {وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا. وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا} [الجن: 8 - 9] . وهذا الحفظ ضروري لتكون حياة البشرية بعيدة عن المزعجات والمنغصات؛ فإن تسلط الشياطين على استراق السمع أمر يبعث الخوف والاضطراب في حياة البشر، ويقلق استقرارهم، ويفسد نظام حياتهم.

حفظ المنهج بقوله: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] .

وحفظ السماء بقوله: {وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ} [17] .

ثم انتقل السياق إلى الحديث عن عالم الأرض وما جعل فيها من مقومات هيئت لحياة الإنسان، لكي يستقبل هذا المنهج، ويقوم بما أوكل إليه القيام به؛ فمدّها، وثبتها بالرواسي الشامخات، وأنبت فيها من كل شيء موزون، وجعل فيها مادة الرزق - لكل مخلوق - بأصنافه وسبله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت