فهرس الكتاب

الصفحة 159 من 166

{وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ. وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ} [19 - 20] .

وبذلك يصلح الإنسان أن يعيش بكل ما توفّر له من أسباب العيش، لكن على منهج الله تعالى وشريعته، لأنه الخالق الواحد، الحقيق بالطاعة والعبادة، وهو الرزاق المتصرف في شؤون الخلق، أفيتركه الناس ويعبدون غيره؟ أيتركون ما ارتضاه لهم من دستور ونظام حياة؟!! وحتى لا ينشغل الإنسان بأسباب العيش، يلتهي بها عن ذكر الله الخالق المالك الرزاق المتصرف - أخبر أن ما من نعيم إلا عند الله خزائنه، ولكن الله تعالى لا ينزلها إلا بقدر معلوم تستقيم به حياة البشر، فإن زادت فسد الناس بالنعمة، وهو توازن ينبغي أن يعيه أصحاب المنهج:

{وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ} [21] .

وهو - أيضا - من الضمانات الأكيدة للبشر وللأمة التي تستقيم على منهج الله بأن تتابع سيرها في استقامة - لا تلوي على شيء - على هذا المنهج، ولا تخشى ضنك العيش ما دامت كذلك.

ثم تطرق السياق إلى ذكر عنصر الحياة بالنسبة إلى الإنسانية، بل إن كل كائن لا يمكنه بحال أن يستمر في حياته إلا بهذا العنصر، وهو الماء الذي جعل الله منه كل شيء حيًّا، وذكر الرياح وأثرها في سَوْق السحاب، وتأليف بعضه مع بعض فتنزل رحمة الله بالإنسان، ويظهر من هذه النعمة رعايته وحفظه له:

{وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ} [22] .

وهذا من الشواهد على قدرة الله تعالى ووحدانيته وأحقيته بالطاعة والخضوع، وأحقية منهجه بالاتباع والامتثال، وقد فعل هذا من أجل الإنسان وهداية الإنسان.

ثم بيّن أن أسباب الحياة هذه ممتدة إلى أجل محدود، وأن تصرف الله في ملكه بالإحياء والإماتة له وحده، وليس للبشر أيّة قدرة على ذلك، فليوقن الناس جميعا أن للحياة أهدافا وغابات، وليدركوا أن المرجع والمآب إلى الله تعالى وحده:

{وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ} [23] .

"لما ذكر الإحياء والإماتة، وكان الإحياء يذكّر بالأحياء، وكانت الإماتة تذكّر بالأموات الماضين تخلص من الاستدلال بالإحياء والإماتة على عظم القدرة إلى الاستدلال بلازم ذلك على عظم علم الله، وهو علمه بالأمم البائدة، وعلم الأمم الحاضرة" (1) فقال:

(1) ابن عاشور، التحرير والتنوير، مرجع سابق، جـ 14 ص 24.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت