{وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ. وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} [24 - 25] .
وأنه هو وحده الذي يجمعهم ويحشرهم ليحاسبهم على ما قدموا في حياتهم الدنيا، إن خيرا فخير، وإن شرًا فشرٌّ.
هذه هي قصة الحياة؛ حياة ثم موت، موت ثم حشر إلى الله سبحانه. وبها يكون الإنسان على علم بهدفه وغايته وطبيعة هذه الحياة ودوره فيها. وبدل أن يضل الإنسان ويهيم في الأرض بلا وعي ولا رشد حفظه فجعله على المحجة البيضاء الناصعة الواضحة. وقصة الحياة هذه تتطلب منهجا تستقيم به حياة الإنسان، وحياة الكائنات كلها.
لقد سبق أن تحدثت آيات السورة الكريمة في المرحلة الأولى عن المنهج، وتتحدث هنا - كذلك - فتبيّن دور الإنسان ومكانه في هذا الخلق وما حظي به من تكريم وتشريف، وتبين الملابسات التي وافقت هذا الخلق، والمعوقات التي واجهت هذا الإنسان في أداء الدور الذي كلف به، متمثلة في اتخاذ إبليس موقفا عدائيا، نظرا للمادة التي خلق منها آدم عليه السلام:
{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ. وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ} [26 - 27] .
لقد تحدث عن الإنسان ومادة خلقه، وذكر الجان ومادة خلقه، مقدما بذلك الحديث عن بداية خلق الإنسان وعداء إبليس له:
{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ. فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ. فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ. إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ. قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ. قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ. قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ. وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ. قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ. إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ} [28 - 38] .
خلقه الله ليؤدي الأمانة ويبلغ الرسالة. خلقه وكرّمه وأهّله وعلّمه، فتوفرت له كل الإمكانات التي تعينه على إنشاء الحياة على ضوء المنهج الذي رضيه الله له. وبيّن له حقيقة موقف الباطل، وما يتربص به أهل الكفر والإلحاد والاستكبار، وما يعزمون على فعله وتنفيذه ضد الإنسان والإنسانية:
{قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [39 - 40] .
قد تمثل هذا العداء في شخص إبليس - لعنه الله - الذي قام يفاضل بين مادة خلقه وماد خلق آدم.