فهرس الكتاب

الصفحة 103 من 166

وقد نقل البقاعي عن شيخه أبي الفضل محمد المشدالي البجائي المالكي قاعدة طبقها في تفسيره، وهي:

"الأمر الكلي المفيد لعرفان مناسبات الآيات في جميع القرآن هو أنك تنظر الغرض الذي سيقت له السورة، وتنظر ما يحتاج إليه ذلك الغرض من المقدمات، وتنظر إلى مراتب تلك المقدمات في القرب والبعد من المطلوب، وتنظر عند انجرار الكلام في المقدمات إلى ما يستتبعه من استشراف نفس السامع إلى الأحكام واللوازم التابعة له التي تقتضي البلاغة شفاء الغليل بدفع عناء الاستشراف إلى الوقوف عليها. فهذا هو الأمر الكلي المهيمن على حكم الربط بين جميع أجزاء القرآن، فإذا عقلته تبيّن لك وجه النظم مفصلا بين كل آية وآية في كل سورة" (1) .

وبيّن أنه قد ظهر له باستعمال هذه القاعدة أن اسم كل سورة مترجم عن مقصودها؛ لأن اسم كل شيء تظهر المناسبة بينه وبين مسمى عنوانه الدال إجمالا على تفصيل ما فيه .. فمقصود كل سورة هاد إلى تناسبها (2) .

وفي هذا الكلام إقرار واضح بالوحدة الموضوعية في السورة، فهناك غرض سيقت له السورة، وهناك مقصود أساسي تضمنته السورة. لكن لي على هذا الكلام ملاحظتين اثنتين بعد تدقيق النظر في ماهيته، وهما:

الأولى: يقرر البقاعي وشيخه - رحمهما الله تعالى - أن معرفة المناسبات تتوقف على معرفة موضوع السورة، في حين أن موضوع السورة لا يظهر إلا من خلال مناسبتها ومعرفة وجه الترابط بينها. فالنظر إلى حقيقة ما بين الآيات من وشائج ومناسبات يفرز موضوعها وغرضها الكلي الذي سيقت له. فهذا الغرض هو أمر ناتج ومنبثق من ترابط آيات السورة، لا أنه يملي على السورة الكريمة إملاء، أو ينتزع منها انتزاعا.

الثانية: قوله بأن اسم كل سورة مترجم عن مقصودها أمر بحاجة إلى إعادة نظر، هذا فضلا عن أن بعض السور لها أسماء مختلفة كسورة غافر، أو سورة المؤمن، فكل اسم أطلق عليها باعتبار يغاير الاعتبار في الاسم الآخر، فكيف يكون الاسم - مع هذا - مترجما عن مقصودها.

وبالجملة، فجهد الإمام البقاعي قد أكد أن الوحدة الموضوعية في السورة ليست بدعا من القول، وأنها حقيقة يُسعى لتطلبها، لكن الثغرة في تفسيره من هذه الناحية أن لم يربط آيات

(1) المصدر نفسه 1/ 17 - 18.

(2) المصدر نفسه 1/ 18 - 19.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت