والمؤمنين؛ أي: وما يمكر أولئك الأكابر المجرمون الذين يعادون الرسل في عصرهم، ودعاة الإصلاح من ورثتهم بعدهم إلا بأنفسهم، وكذا سائر من يعادون الحق والعدل والصلاح لبقاء ما هم عليه من الفسق والفساد؛ لأن عاقبة هذا المكر السيئ تحيق بهم في الدنيا والآخرة. أما في الآخرة فالأمر ظاهر، والنصوص واضحة. وأما في الدنيا فبما ثبت في الآيات من نصر المرسلين وهلاك الكافرين المعاندين لهم، وفي علو الحق على الباطل ودمغه له، ومن هلاك القرى الظالمة المفسدة. وبما أيد ذلك من الاختبار حتى صار من قواعد علم الاجتماع أن تنازع البقاء ينتهي ببقاء الأمثل والأصلح، وفاقا للمثل الذي ضربه الله تعالى للحق والباطل: {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ} [الرعد: 17] (1) .
لقد وجّه القرآن حديثه إلى أهل مكة ومجرميها وحذرهم - وقد مكروا بهذا الدين وأهله أكثر مما مُكِر بالسابقين من المرسلين والمصلحين - من الاستمرار في المكر والكيد، وإلا فإنه سيحل بهم ما حلّ بالسابقين من قبلهم، يقول سبحانه:
{وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ} [الأنعام: 124] .
وهو تهديد يحتّم عليهم الانصراف عما هم فيه من المكر لهذا الدين، وواضح من مفهوم الآية أن ما عليه المجرمون من موقف يمثل حلقة في المكر لهذا الدين، وليس لهم موقف حقيقي اتخذوه بناء على منطق ودليل، أو حجة وبرهان؛ ولذلك لم يفاصلهم القرآن كثيرا، بل حزم الأمر معهم، وبين لهم أن ما يسعون إليه من عزة بعيدة عن منهج الله، سينقلب إلى ذل وصغار.
وفي آية أخرى يبين القرآن أن المكر السيئ لا يحيق إلا بأهله، يقول سبحانه: {وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّءُ إِلَّا بِأَهْلِهِ} [فاطر: 43] .
ومما نقوله في معنى الآية: أن كون هذا الفساد يحل بأهله المقصود به أن الهدف والغاية التي يريد الماكرون تحقيقها تمثل منهج حياة للناس يلعب فيه الهوى، وتختلط فيه الشهوات، وتتضارب مصالح هؤلاء فيفسدون بذلك كل الروابط والعلاقات بين الناس بما رسموه للناس من منهج فيتحقق هلاكهم دون أن يشعروا. فكل الجهود التي تبذل لصرف الناس عن هذا الدين ستنقلب على رؤوس أصحابها، فابتعادهم عن هذا المنهج سيسبب لهم الشقاء والاضطراب الذي ينغص
(1) المصدر السابق نفسه (8/ 35) .