يقول جلّ شأنه: {قُلِ اللهُ أَسْرَعُ مَكْرًا} [يونس: 21] .
وهذا يقتضي أن يكون مكر الله سريع النفاذ والإنجاز، إذ لا تقف في طريقه عقبة، ولا يعترضه مانع، وبالمفهوم المقابل، يمكننا القول: إن هذه السرعة تقتضي التعجيل بإبطال مكر أهل الكفر والإفساد مهما بلغت دقّته وسرعته، ويتجلّى لنا مفهوم السرعة في هذا العصر بصورة واضحة، فتكون حكمة التعبير"بالسرعة"أشدّ ظهورا الآية بالنسبة لنا. ومن كان الله معه، لا يبالي بما يفعله الناس، فلنكن مع الله تعالى بحق وحقيقة.
هذا جزء من علاج القرآن النفسي لقضايا المكر التي قد تشغل همّ المؤمنين، فتجعلهم في خوف وقلق واضطراب. إن صفات الله تعالى أو صفات أفعاله ينبغي أن يكون لها أثرها على المسلك الإنساني للمسلم، وهذه الأمانة التي كلّف بحملها، والخلافة التي هي وظيفته ومسؤوليته ينبغي أن ترجعه إلى مرحلة الفعل، ليتحوّل الخصم المستكبر بعد ذلك إلى موقف ردّة الفعل إن أراد أن يبقى على عناده واستكباره!
أما أوصاف مكر أهل الإلحاد والإفساد فهي أوصاف نسبية، منها ما ورد في قوله تعالى على لسان نوح عليه السلام: {وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا} [نوح: 22] .
وهذا قطعا بالنسبة إلى نوح ومن آمن معه، ومجيئه بصيغة المبالغة نظرا للهدف الذي أراد أهل الكبر تحقيقه، فقد أرادوا أن يستأصلوا دين الله الذي جاءهم به نوح، وذلك باغتياله والقضاء على من آمن معه. وقد لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، فلم يؤمن بما جاء به إلا قلة قليلة لا تملك إزاء مكر القوم حولا ولا قوةً، وليس لها إلا أن تتوجّه إلى الله تعالى ليكشف كربتها، وكان أن فشل الماكرون في تحقيق هدفهم.
ومنها: وصفه بالشدّة والقوة، يقول الله سبحانه: {وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ} [إبراهيم: 46] .