ويتعدى فعل المكر باللام ليدل على التدبير الخفي الحسن، ويتعدى بحرف الجرّ (على) ليدل على التدبير الخفي السيئ، ويشهد لهذا قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الدعاء: «رَبِّ اُمْكُرْ لِيْ وَلَا تَمْكُرْ عَلَيَّ» (1) .
وأكثر الاستعمال القرآني لهذا الفعل وارد على جهة الذم. وأما ما ستعمل في حق الله وَعُدَّ من قبيل المشاكلة، فيقول ابن عاشور - رحمه الله - في معناه:"ومكر الله بهم هو تمثيل لإخفاق الله تعالى مساعيهم في حال ظنهم أن قد نجحت مساعيهم". قال:"وجاز إطلاق المكر على فعل الله دون مشاكلة، كما في قوله: {أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ} (2) . ويتقرر من سياق الآية المذكور أن فعل المكر بهم وارد في مقام الجزاء، فمعنى {مَكْر الله} في الآية: تدبيره الذي لا يعلمه أحد، فهو من حيث خفاؤه على أولئك المكذبين بآيات الله تعالى مكر، أما من حيث طبيعة التدبير أو ماهيته فهو العدل كل العدل. ومن هنا لا نقول: مكر القاضي بالجاني؛ لأن فعل القاضي هو تحقيق العدل، فهو عدل، وليس مجرد أذى يلحق بالجاني، لكن خفاءه من حيث تحديد زمن العقوبة ووقتها وطبيعتها هو المكر. فإذا قلنا: إن الله يمكر بالمكذبين، فليس معناه: إلحاق الضرر بهم ظلما وعدوانا، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا، فإن العذاب سيحيق بكل مكذب جزاء وفاقا، ولكن متى؟ هذا هو المكر. ومن هنا، وجدنا مفارقة بين الاستعمال اللغوي، والاستعمال القرآني لهذا المصطلح، تكمن في القصد والغاية، فحيث يبغي الماكرون إلحاق الأذى بالناس، يكون في حق الله تعالى وارد على جهة إحقاق العدل، ومعاقبة المكذب المبطل!"
قال الشيخ رشيد رضا: المكر عبارة عن التدبير الخفي الذي يقضي بالمكرور به إلى ما لا يحتسبه ولا يتوقعه، وإن مكره تعالى وهو تدبيره الذي يخفى على الناس، إنما يكون بإقامة سننه، وإتمام حكمه في نظام العالم، وكله حق وعدل وحسن، ولكن ما يسوء الناس منه يسمونه شرًّا وسوءا، وإن كان جزاء وعدلا (3) .
ولم يوصف المؤمن بالمكر في القرآن الكريم، ولم ينسب إليه إلا على لسان واحد من أعدائه
(1) حديث صحيح رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه والإمام أحمد. انظر محمد ناصر الدين الألباني، صحيح سنن ابن ماجه (1988) ، نشر مكتب التربية العربي التابع لدول الخليج، الرياض، الجزء الثاني، ص 324، حديث رقم 3088.
(2) محمد الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير (1984) ، الدار التونسية للنشر، تونس، الجزء الثالث، ص 256.
(3) رشيد رضا، تفسير المنار، مرجع سابق (11/ 335) .