الإنسان وأحاسيسه ووجدانه، ولا غنى له عنها؛ فحياة الإنسان تستلزم هديا يضمن له الحياة الكريمة الآمنة في ظل الواجب التكليفي الذي أنيط به من تحقيق العبودية وعمارة الأرض. ولذلك كان رفض هذا الهدى بمثابة إعلان الحرب والعداء لله الخالق المالك الرزاق المهيمن، مما يستوجب نوعا من التأديب لكل من يستعلي على الله تعالى، ويحارب دينه، وهذا ما حل بقوم لوط حين رفضوا شريعة الله، وارتكبوا فاحشة لم يُسْبقوا إليها، جاء نبيّهم ليعمل على حفظهم من الرذيلة الموجبة لسخط الله تعالى، وحفظ النوع البشري:
{فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ. قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ. قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ. وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ. فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ. وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ. وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ. قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ. وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ. قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ. قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ. لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ. فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ. فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ} [61 - 74] .
لقد أجرموا بحق الفطرة والعقل والإنسان المكرّم عند الله، إن الله تعالى ما كرّم هذا الإنسان ليعبث ويفسد، بل ليصلح ويعمر؛ إنه إجرام فظيع، وخروج عن جادة الحق والفضيلة، وابتعاد عن منهج الله. جاءت رسل الله تعالى لتحقق فيهم سنة الله تعالى، ليعتبر الناس إلى يوم القيامة جزاء الخروج والاستكبار على دين الله تعالى. وقد هلكت امرأة لوط مع الهالكين، وهي ألصق الناس به جزاء فعلها، وخروجها على أمر ربها، وعصيانها للحق الذي أرسل به زوجها، إنها سنة لا تحابي أحدا. وقضى الله تعالى بإهلاك هؤلاء القوم الشاكّين جميعا، في وقت أخلدوا فيه إلى الراحة، واطمأنوا وأَمِنُوا الغوائل، ولكن أنّى لهم الأمن والسلامة بعيدا عن هدي الله تعالى!
لقد جعلى الله تعالى من آثارهم دليلا على سنته في الخلق، فليعتبر الباحثون عن العبرة، بل ليعتبر الناس من تلك الآثار التي يشاهدون، وليكن المؤمنون أكثر الناس عبرة من هذه الآية:
{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ. وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ. إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ} [75 - 77] .
ويذكر القرآن في هذه السورة قوما آخرين عصوا نبيّهم، وخالفوا المنهج الرباني القويم الذي جاءهم به، فاستحقوا التأديب على ذلك، وليكون هذا درسا للمستكبرين في الأرض، وليعرفوا أن سنة الله تعالى لا تحابي أحدا: