أسباب إنكار بعض العلماء الوحدة الموضوعية في السورة
لقد ذكر المعلم عبد الحميد الفراهي الأسباب التي دفعت بعض العلماء القدامى إلى إنكار الوحدة الموضوعية أو"نظام القرآن"، أو الأسباب المانعة من الإيقان بالنظام مع وضوح دلائله، وهي أربعة:
الأول: وهو أقوى الأسباب؛ تبرئة كلام الله عن كل عيب وشين، ولا شك أنه ظاهر النظام والترتيب في كثير من المواضع، ولكنهم لو ادّعوا أن كله منظم والنظم مرعيّ فيه، لاضطروا في مواضع إلى القول بعدمه، وذلك لغموضه ودقته، فتركوا هذا المسلك، ولم يحولوه إلى قصور أفهامهم، فإن منها ما وجدوه خلاف أصول النظم، وتيقنوا أنه لا يمكن فيه تصور نظم ما، كما ترى في آية: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا للهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238] ، فإن هذه الآية واقعة بين ذكر متصل لأمور النساء، ثم بعدها يرجع إلى الذكر الأول، ولولا هذه الآية لكان البيان على غاية الاتصال ...
والثاني: أن أكثر من ذهب إلى وجود النظم كالإمام الرازي - رحمه الله - قنع في هذا الأمر الصعب بما هو أهون من نسج العنكبوت، مع سبقه الظاهر في العلوم النظرية والذكاء، فمن نظر في كلامه تيقن بأن النظم لو كان كما يدّعيه هذا الإمام المتبحّر وأمثاله لما خفي عليه مع خوضه فيه، وإذ لا يأتي هو ولا غيره إلا بكل ضعيف، فلا مطمع فيه لأحد بعد هؤلاء، فإما بقي على قوله بوجود النظم، ولكن يئس من علمه وأغلق بابه، فإن سمع أحدا يدعوه إليه لم يسمعه، وإما صار إلى الرأي الذي ظنّه أسلم، وهو أن القرآن نزل منجما مفرقا، فلا يطلب فيه نظام. قلت: وقد سبق أن بيّنتُ عدم عناية الرازي بهذا النظم.
والثالث: إكثار الوجوه من التأويل، وإكثار الجدل وقال وقيل، وذلك بأن النظم إنما يجري على وحدة، فبحسب ما تكثرت الوجوه تعذر استنباط النظام، فمن نظر في هذه الوجوه المتناقضة والأقاويل المتشاكسة تحيّر، لا يدري ما يختار منها؟ وأصبح في حجب من النظم الذي يجري من كل جملة في وجه واحد، كمن سلك طريقا يصادف في غلوة طرقا شتى. ولما كان ذلك - ولأسباب أخر - شرطنا أن نقنع بوجه واحد صحيح ظاهر ينتظم به الكلام .. قلت: وهو مأخذ لم يطغ على النظام فحسب، بل طغى على هداية القرآن ومقاصده كذلك.
والرابع: تحزب الأمة في فرق وشيع قد ألجأهم إلى التمسك بما يؤيدهم من الكتاب، فراق لهم تأويله الخاص، سواء كان بظاهر القول أو بإحدى طرق حمل الكلام على بعض المحتملات. ولا يخفى أن غلبة رأي وتوهم يجعل البعيد قريبا، والضعيف قويا، وكذلك يفعل كل فريق، فلكل