فهرس الكتاب

الصفحة 119 من 166

للبشر، وأن كل سورة تحقق جانبا من المقاصد التي تنزل القرآن من أجلها. صحيح أن بعض السور تشترك - في الظاهر - في بعض الموضوعات، ولكن الحقيقة هي أن سورة النور مثلا عرضت للتربية الإسلامية من جانب معين، وطرقته من ناحية محددة لم تطرقها سورة أخرى مثلها من نفس الزاوية وبنفس الأسلوب وطريقة العرض - ولا تكون مجرد طريقة العرض هي المميزة - فقد تحدثت عن بعض الحدود ولا نجد سورة أخرى تحدثت عنها. وكثير من الآداب التربوية والاجتماعية قد تعرضت لها السورة الكريمة بالبيان والتفصيل، وتفردت بذلك عما سواها من سور القرآن الكريم، فيفهم المقصود من قولنا بالوحدة الموضوعية هذا المعنى لا غير.

ربما تطرق سور القرآن موضوعات يظهر للوهلة الأولى أنها مكررة، كما هو الحال في القصص الذي غرضه القرآن الكريم، ومع جزمنا ويقيننا بأن لا تكرار حقيقيا في قصص القرآن، إلا أننا ينبغي أن ندرك مواكبة هذا القصص لحركة الدعوة الإسلامية وتطورها من البعثة وحتى الهجرة، ومن الهجرة حتى انتقال الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى الرفيق الأعلى. وإذا علمنا أن الحركة الإسلامية كانت تواجه كل يوم على الصعيد الخارجي في مواجهتها ومقاومتها للشرك والوثنية، والظلم سوء الأخلاق، وعلى الصعيد الداخلي من تربية وتنظيم لشؤون المجتمع الإسلامي الوليد في المرحلتين المكية والمدنية. أقول إذا علمنا أنها كانت تواجه كل يوم أحداثا جديدة، ومعوقات جديدة، وأحوالا مختلفة، وظروفا متنوعة أدركنا أهمية وقيمة القصص القرآني الذي تنزل وفق أحوال الحركة الإسلامية، ومقتضيات سيرها. وأن لا تكرار فيه أبدا، لأن التكرار معناه: إعادة اللفظ في سياق واحد، ولمعنى واحد، فإذا لم يتوفر هذان الشرطان، أي إذا لم يكن المعاد اللفظ نفسه، أو إذا ذكر اللفظ أكثر من مرة، ولكن لكل موضع سياقه الخاص ومعناه الخاص، فإن ذلك لا تسميه تكرارا أبدا (1) . ومن ثم يكون لكل قصة في كل سورة هدف خاص، ومقصد معين. وكل قصة لبنة في بناء السورة ونظامها.

وبعد، فهل هذا يعني أنه لا ينبغي لأحد أن يفسر آيات بعينها من سورة ما، حتى يستوفي جميعها بالنظر والدرس والتفسير، إذ الإنسان قد يحتاج إلى الاستشهاد بآية ما وتفسيرها في عرض خطبة أو وعظ أو توجيه وإرشاد!! قلت: لا ينبغي فهم ذلك، لأن مقصودنا من هذا الكلام أن لا نسلك في اتجاهنا الجديد في التفسير مسلك علمائنا فيما دوّنوه من تراث تفسيري ضخم قضى على وحدة السورة وجزأها لحساب القضايا التفصيلية والمباحث التحليلية التي انبثقت عن ذلك المسلك، رغم جودة الكثير منه، وكونه ما زال قادرا على أن يمدّ مسلكنا الجديد بمادّة قيّمة في موضوع

(1) فضل حسن عباس، القصص القرآني: إيحاؤه ونفحاته (1988) ، دار الفرقان، عمان، ص 19 - 20.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت