فهرس الكتاب
والموت، وهكذا نجد القرآن يواجه قضايا الإنسان على أساس أن الإنسان هو الموضوع الذي يحتاج إلى التحليل الدقيق المتنوع الذي يرصد كل الجوانب، وكل الاتجاهات. ولعل ذلك من أفضل الأساليب التربوية التي ينبغي للقائمين على شؤون التربية الإنسانية أن يواجهوها من موقع الطريقة القرآنية التي تهتمّ بتكامل الفكرة في داخل الإنسان في عملية توزيع لعناصرها بشكل واقعي حكيم» (1)
وهذا مسلك جيّد في دفع ما قد يتوهمه البعض من أن سور القرآن جمعت العديد من الموضوعات المبعثرة التي لا يؤلف فيما بينها شيء، أو أنها لا تشتمل على وحدة في موضوعها، وتقصر التفسير الموضوعي على قسم واحد هو وحدة الموضوع في القرآن، ذلك أن التنوع في موضوعات السورة والذي دفع بعض العلماء إلى اتخاذ موقف الإنكار - سببه معالجة كل سورة من سور القرآن لقضية من قضايا الإنسان الذي اختاره الله تعالى ليكون خليفة في الأرض. وقضايا الإنسان لا تتوقف في الغالب على حل يتخذ جانبا معينا، بل تأخذ السورة بعين الاعتبار كل عواطف الإنسان ومشاعره ووجدانه. وتنظر إلى طبائعه وتركيبه النفسي والعضوي. كل هذه الأمور تعالج من خلال آيات السورة الواحدة فيظن بعد ذلك أنها متعددة الأغراض، متشعبة الموضوعات. وما هي إلا وحدة قرآنية تجمع الإعجاز من كل وجوهه، وتدلل عليه من كل طرقه. وكم يكون مؤسفا أن تتجاوز هذا النظام الذي تنطوي عليه وتتركب منه السورة الكريمة، وتشتغل بما تضمنته من أسلوب وبلاغة وبيان ومسائل جزئية أخرى ربما لا يكون لها تأثير عملي واقعي في حياة الناس.
ولعل من أبرز الكلام السطحي الذي يثار حول وحدة الموضوع في السورة، هو أننا إذا قلنا: إن سورة النساء تنظم شؤون المجتمع الإسلامي، فيقول قائل: إن القرآن الكريم كله نزل من أجل تنظيم المجتمع الإسلامي وليس سورة النساء فقط. وكذلك إذا قلنا إن سورة الأنفال حديثها الأساسي هو الجهاد، فيقال إن كثيرا من سور القرآن الكريم تتحدث عن الجهاد. وقد وقع بيني وبين أحد الإخوة نقاش حول موضوع سورة النور، قلت له: إن سورة النور تعالج موضوع التربية الإسلامية، فقال منكرا: إن القرآن الكريم كله نزل من أجل أن يربي الناس تربية ربانية .. ثم قلت له: كلامك صحيح، إنني لا أقصد ولا أنكر أن القرآن جاء ليربي الناس على منهج الله تعالى، ولكن يجب أن نعلم أن كل سورة اتخذت أسلوبا مخصوصا، وجانبا معينا في منهج التربية الإلهية
(1) محمد حسين فضل الله، في ظل التربية الإسلامية (1986) ، مقالات المؤتمر الثاني للفكر الإسلامي، طهران، ص 136.